هادر ونهر كثير الينابيع .
إنّ بعضنا ينغلق في أفق تفكيره إلى أبعد الحدود ، حتى أنّك تجده لا يدرس إلا عند أستاذٍ واحد ولا يعرف في هذا العالم إلا نمطَ تفكيرٍ واحد ، وكأنّ عقله غير قادر على التقاط صور الأفكار والمدارس الأخرى ، ولو التقط صورها فهو يلتقطها مشوّهةً ولا يمكنه أن يرى فيها سلامةً أو صواباً . لا أريد أن أقول بأنّه يجب أن يكون عند الإنسان فوضى تفكير ، بل أقول بأنّه لا يمكن أن تولِدَ نمطَك في التفكير إلا عبر المرور على الأنماط الكثيرة التي خاضها الناس من قبلك ومعك في الحياة ؛ ليكون نمطك ناتجاً عن مجموعة كبيرة من تجارب الأنماط الأخرى ، فينضج ويضيف ويراكم ، لكن بشرط التوازن وكسب المؤهلات مسبقاً وعدم الانجراف خلف المؤثرات غير الفكريّة .
الآن وأنا أدافع عن مقولة شريعتي أعلاه ، أعرف أنّ بعضنا سوف يصنّفني ضمن تيار شريعتي ، وبهذه الطريقة سوف يصحّح - تقريباً - نسبة أفكار شريعتي إليّ ، هذه هي المشكلة ؛ لأنّ هؤلاء لا يعرفون في التفكير شيئاً اسمه أنّك من الممكن أن ترى الحقّ مع شريعتي في مكان ، ومع مطهري في مكان آخر ، ومع المرعشي النجفي في مكان ثالث ، والثلاثة مختلفون عن بعضهم . هؤلاء لم يصدّقوا حتى الآن - لأنّهم لم يتذوّقوا حلاوة العقل التعدّدي وحريّته الإيجابية - أنّه يمكن أن يكون الإنسان الإسلامي قادراً بشكل واقعي حقيقي على أن يقرأ ويفهم ويتعامل مع أشدّ الأفكار العلمانية ضراوةً بطريقةٍ هادئة ، ويبحث فيها عن الحقّ ، ولا يستنكف ولا يستكبر ، ولا يصادر مسبقاً بافتراض أنّه لا حقّ فيها ، وإذا وجد حقّاً هنا أو هناك لم يمنعه انتماؤه الفكري من الذهاب خلف هذا الحقّ ، فالدليل هو المعيار ، والقرآن علّم الرسول أنّ يقول للناس بأنّه مستعدّ لعبادة ابن
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 501
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠١