حيث المبدأ ، فإنّ الكذب كسائر المحرّمات الشرعيّة يمكن أن يصير جائزاً بعنوان ثانوي قاهر وحقيقي . فما أورده علينا بعض الفضلاء من أنّ الكذب لا يمكن الترخيص فيه غير واضح ؛ فقد رخّص الفقه الإسلامي في الكذب لإصلاح ذات البين ورخّصوا فيه لدفع الضرر . نعم حصول العنوان الثانوي هنا نادر التحقّق .
أمّا المال ، فبناء على كون مال الدولة مجهول المالك ، لا يجوز التصرّف فيه لو كان قد اخذ إلا بإذن الحاكم الشرعي المخوّل بذلك - خصوصاً أو عموماً - اجتهاداً أو من قبل الفقيه المقلَّد ، ومع الإذن تترتّب الآثار الطبيعيّة على هذا المال ، فتجوز الصلاة في البيت ، ويمكن البناء فوقه وغير ذلك . وأمّا إذن الحاكم ومبرّراته فهو يخضع لدراسته للواقع مع مقاربة نظريّته الفقهية للموضوع ، فقد يكون هناك ما يبرّر له الترخيص للناس في هذا الأمر والتصرّف بالمال ، كما لو كانت الدولة ظالمةً في حقّ شعبها سارقة وناهبةً لحقوقه الطبيعيّة ، فقد يرى الحاكم أنّ هذه فرصة لأخذ الناس المقهورين بعض حقوقهم المسلوبة منهم ، وارتفاع مستوى عيشهم الذي سلبتهم إيّاه الدولة الفاسدة بطاقمها الموغل في الفساد .
وعلى أيّة حال ، فهذا الأمر يرجع للحاكم الشرعي أو لمجلسٍ من الفقهاء وأهل الخبرة يكون مطلعاً على الجهات المتنوّعة لهذا الموضوع ، وله صلاحيات البتّ فيه ، ولا يكفي فيه مطلق فقيهٍ ليست له دراية بالموضوع وملابساته الميدانيّة وتأثيرات موقفه على المستوى الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والاقتصادي ، بل ما يبدو لي هو أنّ مثل هذا الفقيه عليه هو أيضاً أن يرجع للحاكم الشرعي الذي يملك مؤهلات هذا الموقف علماً وعملًا .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 364
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٦٤