العودة - بعد البحث العقلي الممكن أيضاً - إلى نصوص السنّة المنقولة ، لرصدها وتحليلها وتفكيكها من حيث القيمة المعرفيّة ، والكشف عن عناصر قوّتها وضعفها ، وتمييز بياناتها وألسنتها وحدود دلالاتها وحالات التعارض القائمة بينها لو كانت ، وعرض هذه السنّة على قاطع العقل ودلالات الكتاب الكريم ، والسعي للكشف - في سلسلة المصادر والأحاديث لهذه الرواية أو تلك - عن احتمالات وضعها من خلال طبيعة أسماء الرواة الواردة فيها وتاريخهم ، ومن خلال توافر السند لروايات هذا الموضوع أو ذاك في مقابل كثرة المراسيل التي توحي بمشكلة وضع أحياناً ؛ لأنّ الإرسال الكثير قد يوحي أحياناً بإرادة الوضع ، فتمّ حذف الأسماء وهكذا .
لقد تحدّثنا في أكثر من مناسبة عن أنّ الفقهاء المتأخّرين قد أتقنوا عملهم إتقاناً يُشكرون عليه ، فتجدهم في أيّ بحثٍ فقهي يراجعون الكتاب والسنّة ويضعون نصب أعينهم النصوص الحديثية ، ويفكّكونها ، وينتقدونها مصدراً وسنداً ودلالة ، ويرجّحون بعضها على بعض أو يجمعون بينها بتوفيقٍ معقول ، لقد أتقن الفقهاء عملهم مهما كانت وجهة نظرنا في إمكانية تطوير الدرس الفقهي عندهم ، وقد نظّموا طرائق البحث والاستدلال عندهم في القرون الأربعة الأخيرة تنظيماً رائعاً ، فجزاهم الله خيراً ، وكانت دعوتنا إلى أن تحذو العلوم الدينية الأخرى - كعلم الكلام - حذوَ الفقه الإسلامي في تنظيم البحث ، والتشدّد فيه وترك التساهل ، والبعد عن الخطابيّة والعاطفة والحشد العشوائي ، والتدقيق والتمييز بين الأمور والنصوص ، هذه هي دعوتنا المتواضعة ، نسأل الله تعالى أن يأخذ بيد العلماء كافّة لنهضة بحثية جادّة في تلك العلوم أيضاً ، وهي نهضة بدأنا نرى مؤشراتها عند بعض العلماء مؤخّراً والحمد لله .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 145
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٤٥