تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
التفكيك هو حاجة ضروريّة لسلامة العملية البحثية في بعض المراحل ، فإذا تعدّدت لديك المصادر المعرفيّة ، فمن المنطقي في المرحلة الأولى أن تذهب ناحية كلّ مصدر معرفي لرصد ما يقدّمه لنا من معطيات ، ثم نقوم بعد ذلك بمقارنة هذه المعطيات للوصول إلى نتيجة نهائيّة ، فإذا أخذنا القرآن والسنّة بوصفهما مصدرين معرفيّين نقليين فمن الطبيعي أن نعالج كلّ واحدٍ منهما على حدة في المرحلة الأولى لكي نجري عملية المقارنة النهائية في المرحلة الثانية . ولن أبتعد كثيراً ، فلنأخذ القرآن نفسه ، فنحن عندما ندرس آيةً كريمة فمن المنطقي في البداية أن نرصد الآية ضمن تركيبتها الداخليّة ، لنرى ما الذي تعطيه الآية ضمن سياقها الخاص المحيط بها ، ثم ننتقل بعد ذلك للآيات التي تكون خارج هذه الآية وتلتقي معها في المضمون ، فنجري مقارنات وقد تتحوّل الآية الأولى إلى شاهد مساعد لفهم نهائي للآية الثانية . وهكذا الحال في الحديث فنحن في البداية ننظر في الحديث الذي بين أيدينا فنرى ما الذي يعطيه ، ثم نقوم بعد ذلك بمقارنته بسائر الأحاديث التي تتصل به في الموضوع ، وفي هذه المرحلة الثانية يتمّ الخروج بنتائج نهائيّة ، فالفقهاء مثلًا وكذلك المحدّثون يدرسون كلّ حديث على حدة ، ثم يدرسونه مع ما يعارضه ويختلف معه من أحاديث لفضّ الاشتباك القائم بين الأحاديث ، ولا يمكنك أن تدرس الأحاديث المتعارضة مثلًا بطريقة دفعيّة ؛ فإنّ هذا سوف يؤثر سلباً على منهج الفهم ، وبإمكانكم مراجعة جهود الفقهاء - لا سيما من تأخّر منهم - للتأكّد من انتهاجهم هذا النهج في دراساتهم العلميّة الجادّة ، لا سيما وأنّهم نظّروا لبعض خيوط هذا الموضوع عندما بحثوا في أصول الفقه الإسلامي عن الفرق بين القرينة المنفصلة والقرينة المتصلة بالكلام .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 123 | حيدر حب الله