عليها ، ولم يعتقد ذهني بها بشكل نهائي ، فلماذا أصاب بانفصام في الشخصية ؟ ! كلّ ما في الأمر أنني تارةً أكون ناطقاً رسميّاً باسم علم الكلام لأحافظ على هويّة هذا العلم وانسجامه الداخلي ، وأخرى باسم علم التاريخ للسبب نفسه ، أما نطقي باسم قناعتي النهائية فيجب أن يكون وفقاً لجمع المعطيات وتقديم ما حقّه التقديم منها ؛ انطلاقاً من نظريّة معرفية تجمع بين المعطيات ، فأنا عندما أعتقد بالكعبة المشرّفة وبهجرة إبراهيم الخليل إليها ، أقول صريحاً : إنّ التاريخ بكلّ عُدده وأجهزته لم يثبت لي ذلك ، لكنّني أعتقد بهما ؛ لأنّني إنسان مؤمن بصدق القرآن ، وآخذه بوصفه مصدراً دينياً مبرهناً عليه ، ويصلح لأخذه مصدراً معرفيّاً ، فما الضير في ذلك ؟
فقد كان العلامة الطباطبائي - كما ينقل أستاذنا الشيخ جوادي آملي - عندما يدرّس الأسفار يصل إلى البحوث العرفانية فيه ، فيقول : هنا صار الملا صدرا عرفانيّاً ، ونحن ندرّس الفلسفة الآن ، فاقرؤا هذا في البيت ونكمل ما بعد هذا التعليق العرفاني ، وكان يفعل ذلك كي لا تختلط علوم المعقول بعلوم المكاشفة والمشهود . إنّ العالم من بلّور يقرأ من جهات ، لكن لا ترتيب للآثار إلا على جمع الجهات معاً .
خامساً : إنّ حديثكم عن ظنّية التاريخ صحيحٌ في الجملة ، كما ألمحتُ إلى ذلك في بحثي المشار إليه ، لكنّ الكثير من الأمور الدينية ظنيٌّ أيضاً ، ويجب أن لا يغيب عنّا أنّ التعارض حينئذٍ سيكون بين ظنون ، وليس دائماً بين ظنّ ويقين . وقد قبل العديد من العلماء الظنَّ في تفاصيل الاعتقاد . كما أنّ بعض نتائج التاريخ يقينيّة ، ومن ثمّ فلا يصحّ منّا تجاهل هذا القدر من اليقينيات التاريخيّة ونحن في إطار رسم صورة عن العلاقة بين التاريخي والديني .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 527
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢٧