الطبيعيّة . لقد قلت في بحثي المشار إليه بأنّ المؤرّخ من حقّه أن يقول بأن الأدوات التاريخية لا تثبت له الأمر الفلاني ، لكن ليس من حقّه - ما دام معتقداً بالقرآن المجيد - أن يقول بأنّ الأمر الفلاني لا وجود له ، وهذا ما سمّيتُه هناك بالنتيجة النهائيّة .
وهذا الأمر يحصل في العلوم الإسلامية اليوم ، فعالم أصول الفقه مثلًا يقول لنا بأنّ الجملة الشرطية لا مفهوم لها أو لها مفهوم ، ولكنّه لا يقول بأنّ الجمل الشرطية التي في الكتاب والسنّة لا مفهوم لها ، بل يترك ذلك للفقيه ليقول الكلمة النهائية من حيث احتمال وجود قرينة خاصّة على المفهوم أو على عدمه هنا أو هناك ، فعندما يقول المؤرّخ بأنّه لم يثبت عندي أنّ إبراهيم قد هاجر إلى مكّة ويكون معتقداً بالقرآن ، فعليه أن يقول بأنّ أدوات البحث التاريخي السائدة لم توصلني إلى شيء ، لكن هناك مصادر معرفية أخَر يمكنها أن توصلني ، ما دمت معتقداً بالكتاب المقدّس ؛ ولهذا قلتُ في البحث بأنه لا يصحّ جعل التاريخي هو المقدّم مطلقاً على العقدي ، ولا أنّ التاريخي ليس له أيّ تأثير في إفادتنا بمعلومات .
ثانياً : تارة ينفي التاريخ شيئاً تثبته العقيدة ، وأخرى لا يثبت التاريخ ما تثبته العقيدة . وفي الحالة الثانية لا يوجد أيّ تعارض أو تناقض لا نفسي ولا علمي ؛ لأنّ عجز أدوات البحث التاريخي عن إثبات أمر ذكره القرآن الكريم لا يعني أنّ هذا الأمر غير صحيح ، بل كلّ ما يعنيه هو أنّنا لم نتمكّن بوسائل الإثبات التاريخي المتاحة من التوصّل إلى ما أخبر به الكتاب الكريم ، ومن الجليّ أنّ علم التاريخ لم يتمكّن حتى الآن من استيعاب كلّ الوقائع الماضيّة والتوصّل إلى نتائج بشأنها .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 525
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢٥