أداءٍ أو منهج ، إنّ الحقيقة كالحقّ القانوني والأخلاقي قابلةٌ - بدرجةٍ كبيرةٍ - لسوء الاستخدام ؛ فكما أنّ مجرّد امتلاك حقٍّ قانونيٍّ ما لا ينفي عن صاحبه تهمة سوء استخدام هذا الحق فكذلك امتلاك الحقيقة لا يبرّر لصاحبه أن يفعل ما يشاء بحجّة أنّه امتلكها ، فالتسلّط النظري والفكري على هذه الحقيقة لا يعني بالضرورة حقاً وتسلطاً ميدانياً عليها ، ومن هنا كان من الممكن من ناحيةٍ فلسفيةٍ حقوقيةٍ الفصل بين الحقيقة والواقع وبين الممارسات التي تتطلبها هذه الحقيقة تماماً كما هو الجهد القضائي في طبعه الأوّلي ، فإنّ الواقع وإن كان لازم الرعاية دائماً إلا أنّ الاعتبار القضائي في المجتمع يحدّ حتى من قدسية وقيمة هذا الواقع في الأداء والممارسة ، ومن هنا يكون الواقع قابلًا للتجمّد في بعض الموارد القضائية التي لا تصيب فيها قرارات القاضي .
غير أنّ هذا لا يعني تهميش دور الحقيقة بقدر ما يعني ضرورة المحافظة عليها في الحياة العملية ، فالكثير من الحقائق قد تعرّضت للظلم والعدوان من طرف أصحابها قبل أن تتعرّض لذلك من طرف أولئك الذين لا يؤمنون بها ، وهذه مفارقةٌ عجيبة تستحق التفكير وطبعٌ إنساني قد يكون من الصعب تغييره بهذا البساطة والسهولة ، لأنّ السرور البشري بامتلاك الحقيقة قد يحول دون أن يحسب الانسان الحقوق والواجبات التي تقع بينه وبينها .
ولعل هذه هي مشكلتنا حينما لم نعش الحياة التعددية بمعناها
التعددية الدينية (نظرة في المذهب البلورالي) — صفحة 201
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٠١