ايضا ، و لذلك ما تصدى الحكماء الالهيون باثباته و اقامة البرهان عليه . و انا الى هذه الغاية لم اقف على انكار احد من ناقصيهم للمعاد الجسمانى مطلقا فضلا عن الكاملين ، و كيف يتصوّر ذلك منهم مع ان اثبات النبوة المطلقة العامة و المقيدة الخاصة من عمدة المسائل و اعظم المقاصد فى كتبهم ، اذ من اثبت نبوة نبى ( ص ) ، ثم انكر ما هو مما جاء به ضرورة و مركوزا فى اذهان كل من تدين بدين ذلك النبى لا يكون الا مجنونا خارجا عن التكليف ، فان ذلك يلازم ادعائه و زعمه انه اعلم و افهم من نبيه الذى اثبت نبوته بالبرهان ، فاذا ثبت جنونه بذلك فالمعترض عليه فى ذلك ايضا لا يخلو من شئ . و من يدعى انه وقف على ذلك من واحد منهم مع كونه عالما بلسانهم و مصطلحاتهم و تتبعا فى كلماتهم و كتبهم فنلتمس منه ان يرينا لنطلع عليه . نعم قد يظهره العجز عن اقامة البرهان عليه عقلا ، و اين هو من انكاره تدينا و شرعا ؟
قال رئيس الحكماء الاسلاميين ابو على بن سينا قدس سره فى المقالة التاسعة من الهيات الشفاء فصل فى المعاد :
« و بالحرى ان نحقق هيهنا احوال الانفس الانسانية اذا فارقت ابدانها ، و انها الى اية حالة [ ستصير ] ، نقول يجب ان يعلم ان المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ، و لا سبيل الى اثباته الا من طريق الشريعة و تصديق خبر النبوة ، و هو الذى للبدن عند البعث ، و خيرات البدن و شروره معلوم لا يحتاج الى ان تعلم ، و قد بسطت الشريعة الحقة التى اتانا بها سيدنا و نبينا و مولينا محمد بن عبد الله ( ص ) حال السعادة و الشقاوة التى بحسب البدن .
و منه ما هو مدرك بالعقل و القياس البرهانى ، و قد صدقته النبوة و هو السعادة و الشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للانفس ، و ان كنت الاوهام منا يقصر عن تصورها الان لما نوضح من العلل ؛ و الحكماء الالهيون رغبتهم فى اصابة هذه السعادة اعظم من رغبتهم فى اصابة السعادة البدنية ، بل كانهم لا يلتفتون الى تلك ، و ان اعطوها ، و لا هو يستعظمونها فى جنبة هذه السعادة التى هى مقاربة الحق الاول على ما سنصفه عن قريب ، فلنعرف حال هذه السعادة و الشقاوة المضادة لها ، فان البدنية مفروغ عنها فى الشرع . » « 1 » انتهى
هامش
( 1 ) . ابن سينا ، الشفاء ، الالهيات ، المقالة التاسعه ، الفصل السابع ، ( القاهرة ، 1380 ق ) ص 423 .