من دون توسط تلك المرتبة المكافئة لزم فى جليل النظر صدور الكثير بما هو كثير عن الواحد بما هو واحد ، و فى دقيقه كون المرتبة الصعودية بعينها المرتبة النزوليه فان خصوصية المعلول انما هى بخصوص اقتضاء فاعله القريب ، و من اجل ذلك قالوا تشخص كل شئ بفاعله و استعداد المادة لا يزيد على تلك الخصوصية شيئا ، فانه استعداد لها لا لها مع شى اخر ، فيكون فاعلة لها بتوسطها ، فيمر الفيض بتلك الواسطة اولا ثم بما يكافئها ، فهى واسطة فى مرور الفيض بها وساطة ما بالذات لما بالعرض ، و لعلّنا اشرنا الى ذلك فيما سبق ذكره .
فالفيض من الحق سبحانه يمر بمراتب النزول و ينزل الى ان يتصل بما هو فى النزول مكافئ لما افيض عليه من الصعود ، و لما كانت النفس الصاعدة الانسانى متحدة مع النفس النازلة الملكية كانت القوة المصورة خادمة لهما آلة لفعلهما ، و لكنها خادمة للاولى فطرة فقط و للثانية فطرة و اختيارا ، فالقوة المصورة مصورة حقيقة بمعنى انها آلة لنفس عاقلة مدبرة هى ملك من الملائكة و كله الله سبحانه بالتصوير ، و ذلك الملك ايضا مصور و نفسه قوة مصورة بمعنى انها مباشرة للتصوير موكل به ، و الله سبحانه ايضا مصور بمعنى انه تعالى خالق الصور و موجدها ، و بوجه النظر الى النظام الكلى الجملى كل من عنده
« قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 1 » « لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين » « 2 » .
[ [ مراتب النفس و قواها محالّ تصرفات نفوس اخرى ] ]
فتبين مما ذكر ان مراتب النفس و قواها كما انها مراتب تصرفات النفس تصرفات طبيعية فطرية هى غير شاعرة بها ، كما فى افعالها الغير الاختيارية و تصرفات اختيارية هى شاعرة بها ، كما فى افعالها الاختيارية كذلك هى محال تصرفات نفوس اخرى عالمة شاعرة بافعالها ، و تلك النفوس هى الملائكة العالمة العاملة المدبرة الموكلة بتلك الافعال ، فللبدن و قواها مخدومان مسخران لهما قاهران عليهما ، احدهما النفس الانسانية المتعلقة بهما و الاخر الملائكة الموكلون بهما ، و الاول معلوم لكل انسان شاعر بنفسه ، بخلاف الثانى فانه مستور على من ليس له معرفة بربه و افعال ربه و جنود ربه ، كهؤلاء النفوس التى شهد عليهم جلودهم ، و لذلك « قالوا لم شهدتم علينا » مع انكم مسخرون لنا و لم نطقتم بالشهادة و انكم
هامش
( 1 ) . سورة النساء / 78 .
( 2 ) . الصدوق ، كتاب التوحيد ، الباب 59 الحديث 8 ، عن ابى عبد الله ( ع ) : قال : لا جبر و لا تفويض و لكن امر بين امرين . . . » ص 362 .