للكل اقتضاء واحد ذاتى و اقتضاء واحد فعلى هو من جهة انه اقتضائه ، واحد و مطلق عن الحدود المتكثرة ، و من حيث تعلقه بها متعدد و متحدد ، فهو من حيث الاطلاق اقتضائه سبحانه و من حيث التحدد الخاص اقتضاء خاص مناسب لذلك المتحدد الخاص ، فهو تعالى خارج عن الحدين حد الابطال و التشبيه ، و له الحسنة بين السيئتين ، « لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين » « 1 » فهذا الاقتضاء بالجهة الاولى واحد بذاته لانه منسوب بذاته الى الواحد من جميع الجهات و متكثر بذاته ايضا ، لانه بذاته منحط عن درجة الوحدة الحقيقة و نازل فى منازله و درجاته ، فوحدته فى كثرته و كثرته فى وحدته ، و هو المسمى فى السنة المتألهين بالنور المحمدى ( ص ) و الرحمة الواسعة و المشية الثانية و الرحمة المطلقة و التجلى الثانى و الحق المخلوق به ، و كذا بالوجود اللابشرط . كما ان الواجب تعالى هو الوجود به شرط لا ، و ذلك اللابشرط يتعلق بالاشياء و هو من حيث تعلقه بها هو الوجود به شرط شىء .
ثم اعلم ان العلم ، اما علم بكنه الشئ و اما علم بوجهه ، سواء كان حصوليا او حضوريا ، فان التقسيم يجرى فى الحضورى ايضا . و الاول فى العلم الحصولى هو العلم به تمام ذاتيات المعلوم حصولا و الثانى فيه هو العلم بوجه من وجوهه من صفاته و نعوته . و العلم بكنه الوجه علم بذى الوجه بالوجه لا بالكنه ، و الاول فى العلم الحضورى هو حضور تمام الحقيقة العينية و الهوية الخارجية للمعلوم لدى العالم بحيث يكون الهوية العينية هى بعينها الصورة العلمية كعلم الواجب القيوم بذاته و علوم الحقائق الشامخة العقلية بذاتهم و علم كل علة بمعلوله بحسب هويته العينية ، و الثانى هو حضور اثر الشئ و معلوله بهويته العينية للعالم سواء كان العالم نفس المعلول او غيرها ، فحضور اثر الشئ و معلوله من حيث انه اثره و معلوله هو بعينه حضور ذلك الشئ بوجهه لا بكنهه ، و ذلك قولهم ادراك المفاض عليه للمفيض به قدر الافاضة لا بمرتبة المفيض .
فاستبان من هذه البيانات ان للوجود مراتب ثلاث اوليها الوجود به شرط لاعن جميع الحدود و القيود ، وجودية كانت او ماهوية و هو حقيقة صرف الوجود التى هى صرف حقيقة الوجود و هو المسماة فى لسان الحكماء المتألهين الذين هم العرفاء الكاملون بالهوية الغيبية
هامش
( 1 ) . الصدوق ، كتاب التوحيد ، الباب 59 ، الحديث 8 ، عن ابى عبد الله ( ع ) ، ص 363 .