تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
حاجة . أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلاف في ذلك . أمّا في العهد الراشدي ، وفي ما تلاه من العصور العربية قاطبةً ، فإن أحداً لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو . فالنطق السهل لدى عليّ كان من عناصر شخصيته ، وكذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع والصناعة جميعاً . ثمّ إنّ اللَّه بالفطرة السليمة ، والذوق الرفيع ، والبلاغة الآسرة ، ثمّ بذخيرة من العلم انفرد بها عن أقرانه ، وبحجّةٍ قائمة ، وقوْةِ إقناع دامغة ، وعبقرية في الارتجال نادرة . أضف إلى ذلك صدقه الذي لا حدود له وهو ضرورة في كل خطبة ناجحة ، وتجاربه الكثيرة المرة التي كشفت لعقله الجبار عن طبائع الناس وأخلاقهم وصفات المجتمع ومحركاته . ثمّ تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها وذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق ، وبطهارة القلب وسلامة الوجدان وشرف الغاية . وإنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التأريخ من اجتمعت لديه كل هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيباً فذّاً ، غير عليّ بن أبي طالب ونفرٍ من الخلقل قليل ، وما عليك إلّااستعراض هذه الشروط ، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي والغربي ، ولكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلو فيه . والخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرس بالحياة وعلى المرانة بأساليب البلاغة ، فإذا هو مالك ما يقتضيه القن من أصالة في شخصية الأديب ، ومن ثقافة خاصة تنمو بها الشخصية وتتركّز الأصالة « 1 » . نعم ، من هنا قالوا : إنّ كلام علي عليه السلام فوق كلام البشر ، وهو كنز ثمين نادر للقضايا الفكرية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي لم يتوصل إلى أعماقها عظماء التأريخ البشري .
هامش
( 1 ) روائع نهج البلاغة ، تأليف چورچ جرداق ، طبعة بيروت ص 25 - 31 . .