من استكبر عما أمره الله به من طاعته ؛ فإن ذلك من تحقيق قول لا إله إلا الله ؛ فإن الإله هو المستحق للعبادة فكل ما يعبد به الله فهو من تمام تأله العباد له فمن استكبر عن بعض عبادته سامعا مطيعا في ذلك لغيره ؛ لم يحقق قول : لا إله إلا الله في هذا المقام .
وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين :
( أحدهما ) : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله ؛ مشركا مثل هؤلاء .
و ( الثاني ) : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنما الطاعة في المعروف » وقال : « على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية » . وقال : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » . وقال : « من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه » .
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع ؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه .
الإيمان — صفحة 67
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٧