فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان ولا من المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة . وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا وينافق أكثرهم أو كثير منهم . ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا ؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة . وإذا كانت العافية أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين . وهم مؤمنون بالرسول باطنا وظاهرا لكن إيمانا لا يثبت على المحنة . ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم . وهؤلاء من الذين قالوا : « آمنا » فقيل لهم : « قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم » أي الإيمان المطلق الذي أهله هم المؤمنون حقا فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة . ولهذا قال تعالى : « إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون » فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب ؛ بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملا ؛ وإلا فإذا كان عالما بالحق ؛ ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين . قال تعالى : « هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا » .
الإيمان — صفحة 267
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٧