الآخرة فإن المنافقين الذين قالوا : « آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين » هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس . ويصومون ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك ؛ بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول - وهو من أشهر الناس بالنفاق - ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون ؛ وإذا مات لأحدهم . وارث ورثوه مع المسلمين .
وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته هل يرث ويورث ؟ على قولين والصحيح أنه يرث ويورث وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة لا على المحبة التي في القلوب فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها وهو ما أظهره من موالاة المسلمين ؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم » " لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ؛ بل كانوا يورثون ويرثون ؛ وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا لم يقبل ذلك منهم فقال : « وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى
الإيمان — صفحة 198
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٨