تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيمان — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
إنما يثبت بعد تسليم هذه المقدمات التي منها هذا فلا تثبت الدعوى بالدعوى مع كفر صاحبها . ثم يقال : قد علمنا بالاضطرار أن اليهود وغيرهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله ؛ وكان يحكم بكفرهم . فقد علمنا من دينه ضرورة أنه يكفر الشخص مع ثبوت التصديق بنبوته في القلب إذا لم يعمل بهذا التصديق بحيث يحبه ويعظمه ويسلم لما جاء به . ومما يعارضون به أن يقال : هذا الذي ذكرتموه إن كان صحيحا ؛ فهو أدل على قول المرجئة ، بل على قول الكرامية ، منه على قولكم ، وذلك أن الإيمان إذا كان هو التصديق كما ذكرتم فالتصديق نوع من أنواع الكلام ، فاستعمال لفظ الكلام والقول ونحو ذلك في المعنى واللفظ ، بل في اللفظ الدال على المعنى ، أكثر في اللغة من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ ، بل لا يوجد قط إطلاق اسم الكلام ولا أنواعه : كالخبر أو التصديق والتكذيب والأمر والنهي على مجرد المعنى من غير شيء يقترن به من عبارة ولا إشارة ولا غيرهما ؛ وإنما يستعمل مقيدا . وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب ؛ فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرهما من الأقوال إلا ما كان معنى ولفظا أو لفظا يدل على معنى ؛ ولهذا لم يجعل الله أحدا مصدقا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم حتى يصدقوهم بألسنتهم . ولا يوجد في كلام العرب أن يقال : فلان صدق فلانا أو كذبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك . كما لا يقال : أمره أو نهاه إذا قام بقلبه طلب مجرد عما يقترن به من لفظ أو إشارة أو نحوهما . ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " « إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس » " .