( الثاني ) : أن يقال : أتعني بأهل اللغة نقلتها كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم ؛ أو المتكلمين بها ؟ فإن عنيت الأول ؛ فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه . وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام ؛ فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك .
( الثالث ) : أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا : الإيمان في اللغة هو التصديق ؛ بل ولا عن بعضهم وإن قدر أنه قاله واحد أو اثنان ؛ فليس هذا إجماعا .
( الرابع ) : أن يقال : هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا : معنى هذا اللفظ كذا وكذا ؛ وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب وأنه يفهم منه كذا وكذا وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق ؛ لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم . وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده ؛ فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى .
( الخامس ) : أنه لو قدر أنهم قالوا هذا ؛ فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر و " التواتر " من شرطه استواء الطرفين والواسطة وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن ؟ إنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق ؟
فإن قيل : هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن ؛ قيل :
الإيمان — صفحة 118
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٨