فصل
وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في " الإيمان " مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثني في الإيمان فيقول : أنا مؤمن إن شاء الله ؛ لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون في النار وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك . وهو دائما ينصر - في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم - قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم ؛ فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء ، كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء ؛ ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما سنذكر مأخذه في ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك . ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب ؛ فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة ؛ وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن . وهو عندهم شر من قول المرجئة ؛ ولهذا صار من يعظم الشافعي من الزيدية والمعتزلة ونحوهم يطعن في كثير ممن ينتسب إليه يقولون : الشافعي لم يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الإرجاء ونحن نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة .
قال القاضي أبو بكر في " التمهيد " : فإن قالوا : فخبرونا ما الإيمان عندكم ؟ قيل : الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم ، والتصديق يوجد بالقلب فإن قال : فما الدليل على ما قلتم ؟ قيل : إجماع أهل اللغة قاطبة على أن
الإيمان — صفحة 115
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٥