وذكروا ما يشهد لهم ؛ رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه . فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى : « جدارا يريد أن ينقض » .
قالوا : والجدار ليس بحيوان ، والإرادة إنما تكون للحيوان ؛ فاستعمالها في ميل الجدار مجاز . فقيل لهم : لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور اللغة ؛ يقال هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى ؛ وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل وأمثال ذلك . واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا ؛ فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو حقيقة في القدر المشترك بينهما . وهي الأسماء المتواطئة . وهي الأسماء العامة كلها . وعلى الأول يلزم المجاز . وعلى الثاني يلزم الاشتراك ؛ وكلاهما خلاف الأصل فوجب أن يجعل من المتواطئة . وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها وإلا فلو قال قائل : هو في ميل الجماد حقيقة وفي ميل الحيوان مجاز ؛ لم يكن بين الدعويين فرق إلا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان ؛ لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان وهنا استعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الجماد . والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام لا يوجد كليا عاما إلا في الذهن وهو مورد التقسيم بين الأنواع لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه ؛ لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج وإلى ما يوجد في القلوب في العادة . وما لا يكون في الخارج إلا مضافا
الإيمان — صفحة 103
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٣