كان لهم حديث عجيب » . فعليه يكون معنى الإعراض واضحاً ، بلا حاجة إلى بيان الارتباط في نفس الآيات .
وإن أبيت الّا ذلك ، وأردت بيان الارتباط بما قبلها في القرآن فنقول : أحسن ما يقال في تصوير الارتباط : أنّ قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
« 1 » يدلّ على أنّه تعالى جعل ما على الأرض من النباتات والحيوانات والجمادات زينة للأرض ؛ لاختبار الإنسان وأنّ أيّهم أحسن عملًا ، وبعد ذلك يجعل الأرض مسطّحةً سويّةً صعيداً جرزاً ، لا شيء فيها من النبات والأشجار وغيرهما ، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . ومن المسلّم أنّ هذا شيء عظيم وعجيب ، وحيث إنّ علماء اليهود يحسبون أنّ قصّة أصحاب الكهف أمرٌ عجيبٌ ، فيقول تعالى ردّاً على ذلك : أذلك عجيب أم إحياء أصحاب الكهف ؟ !
ثم لا يخفى عليك انّ تفسير قوله تعالى :
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
بذلك حقيقة لا مجاز ، وان كان يظهر من كلام العلّامة أنّها من الاستعارة بالكناية ، فقال : وقد ظهر ممّا تقدم أنّ قوله :
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
من الاستعارة بالكناية ، والمراد به قطع رابطة التعلق بين الانسان وبين أمتعة الحياة الدنيا ممّا على الأرض « 2 » .
وفيه ما لا يخفى ؛ لعدم حسن التعبير ب - انّا لجاعلون ما على الأرض صعيدا جرزا ، وإرادة قطع ارتباط الإنسان عن أمتعة الدنيا ، وانّ ذلك بعيد عن فهم العرف ، ولا أحتمل أن يذهب اليه أحد ، وإن كان يظهر من كلامه أنّ به قائلًا . نعم ، نتيجة جعلها جرزاً أن يقطع رابطة تعلّق الإنسان بأمتعتها ، إلّا أنّه شيء آخر ، لا أنّه مفهوم اللفظ بالكناية ، فافهم .
هامش
( 1 ) . الكهف : 7 - 8 .
( 2 ) . الميزان : 13 / 241 .