لا يَفْعَلُونَ )
« 1 » يدلّ أيضاً على أنّ مورد الذمّ هو الأشعار والشعراء الذين كانوا كذلك ، بخلاف من ليس كذلك من الشعراء المؤمنين ، فلا مجال لتعميم الشعر والشعراء ؛ إذ لا يناسب الوصف المذكور في الآية إلّا القسم الجاهلي منه كما لا يخفى .
والقول : بأنّ المراد من الوديان وديان الأفكار والمعاني وليس الوديان الأرضية ، وتلك الوديان إمّا أن يراد بها خصوص الوديان الباطلة أو ما يشمل الحقّ والباطل ، وكلاهما فعل باطل ؛ إذ لا يحقّ للفرد أن يفكّر تفكيراً باطلا لا قليلًا ولا كثيراً « 2 » .
غير سديد ؛ لأنّ قوله تعالى :
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ )
في مقام الذمّ ، وهو يناسب الوديان الباطلة ، فلا يشمل الوديان الحقّة من الأساس ، فتأمّل .
ودعوى : أنّ ظاهر الوديان هو الوديان الأرضية وليس الوديان الذهنية ؛ فإنّ الأوّل حقيقة والآخر مجاز ، ويتعيّن حمل اللفظ على المعنى الحقيقي ، إذاً فهم يهيمون في الوديان الأرضية ، وليس هذا بأمر باطل على أيّ حال ، بل لا شكّ أنّ وجوهاً عديدة من هذا الهيام حقّ أو أقرب إلى الحقّ .
مندفعة : بأنّها لا محصّل لها ؛ إذ قرينة السياق قرينة ذمّ ، ومن هذه الجهة اختصّت الآية بالهيام الباطل ، والوديان الأرضية كناية عن الوديان الذهنية الباطلة ، فالذمّ المستفاد من الآية الكريمة يختصّ بشعراء الجاهلية الكَذَبة الفَسَقة ؛ لاختصاص الآية بهم مصداقاً في عصر النزول ولو بالقرينة .
ولقد أفاد وأجاد في الميزان حيث قال في ذيل قوله تعالى :
( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ )
إلى قوله :
( وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ )
: « ومحصّل حجّة الآيات الثلاث : أنّ
هامش
( 1 ) سورة الشعراء / الآيتان 225 و 226 .
( 2 ) ما وراء الفقه / ج 10 ، ص 98 .