وهكذا لو كان الاستثناء منقطعاً ينحصر مصداق الشعراء في غير أهل الهداية ، ويكون بين الشعراء ، على أنّ مورد الاستثناء التقابل ، ومعه لا مجال لكون لفظ « الشعراء » بمنزلة القرينة على إرادة الأعمّ كما لا يخفى .
ومنها : أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا اختصاص الغواية بالضلال فهذا لا يلازم كون الشعراء أشدّ غواية ممّن يتّبعهم من الغاوين كما ذكرنا في أصل الاستدلال من هذه الجهة ، وما ذنب الفرد إذا اتّبعه شخص ضالّ ؟ ! فإنّ الآية بالتأكيد خالية من الإشارة إلى أنّ اتّباع الغاوين للشعراء إنّما هو على الغواية والضلال ، بل ظاهرها اتّباعهم على الشعر وهو العاطفة ، وقد عرفنا أنّه شامل للعاطفة الصحيحة والعاطفة الباطلة وغير مختصّ بالباطلة لا محالة « 1 » .
ولا يخفى ما فيه من الضعف ؛ لظهور الاتّباع في أنّ الشعراء يدعونهم نحو الضلالة وهم يحبّونهم ، فالسبب هم الشعراء وهم مضلّون ، وبهذه المناسبة هم أشدّ غواية ؛ لأنّهم ضاّلون ومضلّون ، بخلاف التابعين فإنّهم ضالّون .
هذا مضافاً إلى التهافت بين صدر كلامه وذيله ؛ لأنّه مع تسليم اختصاص الغواية بالضلال كيف تكون أعمّ من العاطفة الصحيحة ؟ !
يضاف إلى ذلك : احتمال دلالة قوله تعالى :
( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ * تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ * وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ )
« 2 » على أنّ المقصود من الشعراء هم الذين كانوا مورداً لتنزّل الشياطين ، ومن المعلوم أنّ هؤلاء هم الذين لا يتّبعهم إلّا الغاوون .
ثمّ إنّ قوله تعالى :
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما
هامش
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) سورة الشعراء / الآيات 221 - 224 .