ويمكن الجواب عنه أوّلًا : بأنّ الآيات المذكورة لا تنافي صدور الخلقة من غيره تعالى بنحو الطوليّة لأنّ الخلقة مطلقاً منتهية إليه تعالى . نعم تنافي الآيات المذكورة مع الخلقة العرضية ولكن لا مجال لها بعد اختصاص وجوب الوجود بالله تعالى وعليه فلايصدر شيء في العالم إلّا أنّه ينتهي إلى الله تعالى فكلّ ما يفعله الإنسان من التصرّفات فهو مخلوق لله تعالى ولاعرضية له حتّى تنافي اختصاص الخلقة به تعالى ولامزاحمة لما يكون وجوده وبقائه من الله تعالى . والشاهد لما ذكرناه من عدم المنافاة مع الخلقة الطوليّة هو إسناد الخلقة إلى عيسى بن مريم في قوله سبحانه وتعالى :
( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي )
« 1 » فلو كان صدور الخلقة من غيره مطلقاً منافياً مع اختصاص الخلقة به تعالى فلا مجال لقوله عزّوجلّ :
( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي )
فالجمع بينهما بأن يقال إنّ الخلقة المستقلّة مختصّة به تعالى لعدم إمكان أن تقع الخلقة من غيره تعالى إلّا بإذنه الخاصّ أو العام وهي الخلقة الطوليّة والخلقة من عيسى بن مريم وقعت بإذنه الخاصّ وكلّ ما يقع من الابتكارات والاختراعات فهو واقع بإذنه العام في النظام العلّي والمعلولي .
وثانياً : بأنّ الاستنساخ لو كان حراماً لكونه تدخّلًا في الخلقة لكان كلّ تركيب صناعي أو شيميائي يوجب إيجاد شيء آخر ممنوعاً لكونه تدخّلًا في الخلقة وهو كما ترى ضرورة جوازها عند جميع الأقوام والملل .
وثالثاً : بأنّ الاستنساخ المذكور ليس بخلقة بل هو فعل ما يوجب الشباهة وأمّا الخلقة فهي جارية على مجاريها الطبيعيّة الّتي جعلها الله تعالى كما أنّ التصرّف في بعض النباتات كالمركّبات ليس بخلقة بل هو إعمال أمر طبقاً للمجاري الطبيعيّة وبعبارة أخرى الخلقة على قسمين : أحدهما الخلقة العادية وثانيهما غير العادية
و
هامش
( 1 ) المائدة : 109 .