وعلى الجملة : فإن المعتبر هو الخبر المفيد للوثوق ، ويكفي في ذلك كون المخبر موثّقاً ، فالرواية الموثقة معتبرة كالصحيحة ، ولا حاجة لأن يكون المخبر عدلًا ، وترتيب الأثر على احتمال خلاف ما يفيده خبر الثقة قبيح في ارتكازات العقلاء ، وهي القرينة الحافّة بالخطابات الملقاة إلى العرف من الأوامر والنواهي ، المانعة من انعقاد الإطلاق فيها . مثلًا : دليل تنجيس النجس بالملاقاة ليس مطلقاً من حيث الرطوبة ، من جهة احتفافه بالإرتكاز العقلائي القائم على اشتراط الرطوبة المسرية ، فالملاقاة بلا رطوبة مسرية غير موجبة للنجاسة ، مع خلوّ الأدلّة الشرعيّة عن هذا الشرط .
ومن هنا نقول أيضاً في حلّ مشكلة رادعيّة الآيات عن السّيرة العقلائية : بأنّ الإرتكاز العقلائي بقبح التوقف عن قبول خبر الثقة يمنع من انعقاد الإطلاق فيها ، بل إنها تنصرف بسببه إلى الظنون غير القائمة عليها السيرة العقلائيّة .
وهذا طريق آخر لحلّ تلك المشكلة .
فإن قلت : الإستقباح المذكور محكوم بإطلاق الأدلّة .
قلنا : إنه يستلزم الدّور ، لتوقف انعقاد الإطلاق في الآية على عدم منع هذا الإرتكاز العقلائي ، وعدم منعه يتوقف على حكومة الإطلاق عليه .
وإلى هنا ظهر حدّ حجيّة خبر الواحد الثقة من باب السيرة العقلائيّة .
وأمّا بناءً على حجيّته من باب الروايات ، فإنْ كان لقوله : « ثقة آخذ عنه معالم ديني ؟ » إطلاق يعم ما قام الظنّ على خلافه ، كان خبر الثقة حجة على الإطلاق ، ولا يكون إعراض المشهور موجباً لسقوطه عن الاعتبار لكنّ التحقيق عدم تماميّة
تحقيق الأصول (على ضوء أبحاث الشيخ وحيد الخراساني) — صفحة 294
مساهمون: السيد علي الحسيني الميلاني
ص٢٩٤