قوله : « فَإِنْ آنَسْتُمْ » إلى آخره - بشرطها وجزائها جزاءٌ للشرطيّة الأولى ، وحيث إنّ فعل الشرط في الجملة الشرطيّة قيدٌ في الواقع للجملة الجزائيّة ، فيكون بلوغ النكاح وإيناس الرشد كلاهما قيداً لدفع المال إليه . وهذا كما إذا قال المولى : إذا جاءك زيدٌ فإن سلّم عليك وجب عليك إكرامه ، والتقدير : يجب إكرامه مع مجيئه وتسليمه .
وقال تعالى في عدّ الذكور الذين يجوز للمرأة إبداء الزينة لهم من البعولة والآباء . . . إلى آخره ، فقال : « أَوِالطِّفْلِ الَّذينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ » « 1 » .
والظهور : الغلبة والظفر ، وعورة المرأة : فرجها وجسدها ، والمعنى : لا بأس لها من إبداء الزينة عند الطفل الذي لم يقدر على التلذّذ والجماع مع النساء ، والمراد حدّ البلوغ المذكور .
وقال تعالى : « وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » « 2 » ، وحَلم الصبيّ واحتلم : أدرك وبلغ مبالغ الرجال . وفي المفردات :
« وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ » أي زمان البلوغ ، وسمّي الحُلُم لأنّه جدير بالحلم . « فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَليمٍ » « 3 » ، أي يوجد فيه قوّة الحلم والعقل . « 4 » وقال تعالى : « وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتيمِ إِلَّا بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ » « 5 » .
وقال تعالى : « فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما » « 6 » .
و « أشدّ » جمع « شدّة » أي القوّة والاستحكام ، كأنعُم ، جمع « نعمة » ؛ أو جمع « شدّ » بذلك المعنى ، كأبحر وبحر ؛ أو مفرد بذلك المعنى ، كآنك أي الرصاص . وكيف كان ، فالشدّة تستعمل في قوة البدن والنفس ، وأريد بها في الآيتين كلا المعنيين .
هامش
( 1 ) . النور ( 24 ) : 31 .
( 2 ) . النور ( 24 ) : 59 .
( 3 ) . الصافّات ( 37 ) : 101 .
( 4 ) . المفردات في غريب القرآن ، ص 253 ( حلم ) .
( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 152 .
( 6 ) . الكهف ( 18 ) : 82 .