[ البلوغ ومفهومه لغةً وعرفاً ]
فنقول : مفهوم البلوغ واضح لغةً وعرفاً ، وهو في اصطلاح الشرع والمتشرّعة عبارةٌ عن بلوغ الإنسان من جهة القوّة البدنيّة والنفسيّة إلى أوّل مرتبة كماله ، بمعنى أن يكون متمكّناً من حيث القوى الجسميّة من إنزال المنيّ إذا تحقّق مقدّماته من الوطئ والاستمناء والاحتلام ، ومن حيث الروح قابلًا لتحمّل أعباء التكاليف الشرعيّة الإلهيّة وتحمّل مشاقّها ، صالحاً لدخوله في مجتمع المكلّفين ، جديراً لتوجيه خطاباتهم الإلزاميّة إليه ، قابلًا لمؤاخذته على مخالفتها .
قال في الجواهر بعد ذكر المحقّق البلوغ والرشد :
والمراد بالأوّل الذي هو في اللغة الإدراك ، وبلوغ الحلم ، والوصول إلى حدّ النكاح ، بسبب تكوّن المنيّ في البدن ، وتحرّك الشهوة ، والنزوع إلى الجماع ، وإنزال الماء الدافق الذي هو مبدأ خلق الإنسان بمقتضى الحكمة الربّانية فيه وفي غيره من الحيوان لبقاء النوع ؛ فهو حينئذٍ كمالٌ طبيعيّ للإنسان يبقى به النسل ويقوى مع العقل ، وهو حال انتقال الأطفال إلى حدّ الكمال ، والبلوغ مبالغ النساء والرجال « 1 » .
وقد وقع التعيير عن هذه الحالة في الإنسان في الكتاب الكريم تارةً ببلوغ النكاح ، وأخرى بالظهور على عورة النساء ، وثالثةً ببلوغ الحُلُم ، ورابعةً ببلوغ الأشدّ ، قال تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » « 2 » .
والآية الكريمة وإن كانت مسوقةً لبيان حال اليتامى وتعيين الزمان الذي يجب دفع أموالهم إليهم ، إلّاأنّه أشير فيها إلى موضوع البلوغ ؛ لتعليق الحكم به وبالرشد . والنكاح هنا إمّا بمعنى الوطئ على أبعد الوجوه ، أو التزويج .
وعلى التقديرين ، المراد بلوغ اليتيم ووصوله إلى حدّ القدرة على الوطئ والإنزال ، فمنتهى حدّ الابتلاء والاختيار تحقّق عنوان البلوغ ، والجملة الشرطية الثانية فيها - أعني
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 26 ، ص 4 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 6 .