إليه مضطرّين » .
فقال له الشيخ : كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ، ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟
فقال له : « وتظنّ أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً ؟ إنّه لو كان كذلك ، لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللَّه ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائِمَة للمُذنب ، ولا محمدة للمُحسن . إنّ اللَّه كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعص مغلوباً ، ولم يُطعْ مُكرهاً ، ولم يملك مفوّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً ؛ « ذَ لِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » « 1 » » . « 2 » قوله : « وتظنّ أنّه كان قضاء حتماً » ؛ أي أنّه كان بعلم اللَّه وتقديره وأمره التشريعي ، وكلّ ذلك لا يستلزم سلب الاختيار من العبد ؛ إذ لا إشكال في أنّ العلم لا يؤثّر في المعلوم ، والتقدير هو الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء ونحوهما ، وهو أيضاً لا يلازم وجود الشيء في الخارج ، ونظيرهما الأمر التشريعي ؛ ولذلك قال بعد ذلك : « كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً » ؛ يعني أن تكليفه التشريعي مقرون ببقاء الخيار للمكلّف ، ولم يكن بإرادته التكوينيّة حتّى يلزم سلب قدرة العبد واختياره ، ويبطل الثواب والعقاب .
هذا بالنسبة إلى نفي الجبر ؛ وأمّا نفي التفويض ، فأشار إليه بقوله : « ولم يعص مغلوباً ، ولم يملك مفوّضاً » ؛ أي لم يفوّض الأمر إلى العباد بحيث يخرج عن اختياره ، بل له القدرة ، ويلازم نفي الأمرين تحقّق أمر ثالث بين الأمرين .
2 . قيل للرضا عليه السلام : اللَّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : « اللَّه أعزّ من ذلك » . قيل : فجبّرهم على المعاصي ؟ قال : « اللَّه أعدل وأحكم من ذلك » ، ثم قال : « قال اللَّه ، يا بن آدم ، أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي ، عملتَ المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك » . « 3 » قوله : « فوّض الأمر » أي بحيث خرج عن تحت قدرة اللَّه وإرادته ؛ فإنّ ذلك باطل ، بل له
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 27 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 155 ، ح 1 .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 157 ، ح 3 ؛ مسند الإمام الرضا عليه السلام ، ج 1 ، ص 35 ، ح 48 .