وقد زخر التاريخ بأحداث وعبر دلّت على أنّ فساد الأخلاق وتفسخها كان معولاً هدّاماً
في تقويض صروح الحضارات ، وانهيار كثير من الدول والممالك :
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتماً وعويلا
وناهيك في عظمة الأخلاق ، أن النبي صلّى اللّه عليه وآله أولاها عناية كبرى ، وجعلها
الهدف والغاية من بعثته ورسالته ، فقال :
( بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق ) .
وهذا هو ما يهدف إليه علم الأخلاق ، بما يرسمه من نظم وآداب ، تهذّب ضمائر الناس
وتقوّم أخلاقهم ، وتوجههم إلى السيرة الحميدة ، والسلوك الأمثل .
وتختلف مناهج الأبحاث الخلقية وأساليبها باختلاف المعنيين بدراستها من القدامى
والمحدثين : بين متّزمت غال في فلسفته الخلقية ، يجعلها جافة مرهقة عسرة التطبيق
والتنفيذ . وبين متحكّم فيها بأهوائه ، يرسمها كما اقتضت تقاليده الخاصة ، ومحيطه
المحدود ، ونزعاته وطباعه ، مما يجردها من صفة الأصالة والكمال . وهذا ما يجعل تلك
المناهج مختلفة متباينة ، لا تصلح أن تكون دستوراً أخلاقياً خالداً للبشرية .
والملحوظ للباحث المقارن بين تلك المناهج أنّ أفضلها وأكملها هو : النهج الاسلامي ،
المستمد من القرآن الكريم ، وأخلاق أهل البيت عليهم السلام ، الذي ازدان بالقصد
والاعتدال ، وأصالة المبدأ ، وسمو الغاية ، وحكمة التوجيه ، وحسن الملائمة لمختلف
العصور والأفكار .
وهو النهج الفريد الأمثل الذي يستطيع بفضل خصائصه وميزاته أن يسمو بالناس فرداً
ومجتمعاً ، نحو التكامل الخُلقي ، والمثل الأخلاقية العليا ، بأسلوب شيق محبب ، يستهوي
العقول والقلوب ، ويحقق لهم ذلك بأقرب
وقت ، وأيسر طريق .
هو منهج يمثل سموّ آداب الوحي الإلهي ، وبلاغة أهل البيت عليهم السلام ، وحكمتهم ، وهم
يسيرون على ضوئه ، ويستلهمون مفاهيمه ، ويستقون من معينه ، ليحيلوها إلى الناس حكمة
بالغة ، وأدباً رفيعاً ، ودروساً أخلاقية
أخلاق أهل البيت ( ع ) — صفحة 6
مساهمون: السيد مهدي الصدر
ص٦