والتصوير والتشكيل ، ومن حيث الانتساب بالخارج عن وجوده وارتباطه مع أجزاء العالم الذي هو فيه بالتصرّف والتقلّب والانقلاب ، وجعل قوّة من قواه متناسباً لحاله في عيشه ، لم يختلف بزيادة ونقصان بما يختلّ به أمر حياته ، ويتعسّر بذلك عيشه .
فقوله : وَالَّذِي قَدَّرَ عامّ شامل للُامور الخارجة عن وجوده أيضاً ، فخلق اللَّه كلّ ما في العالم لنفع الإنسان ، وجعل لجميعه تقديراً من حيث الكثرة والقلّة ، والكيف والكم ، من مائه وهوائه ، وأرضه وسمائه ، وحركات سيّاره ، وسكون ثابته ، كما قال تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ « 1 » ، وقال : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 2 » .
وقوله تعالى : فَهَدى أيهدى الموجود المخلوق سويّاً إلى كيفيّة استفادته وتمتّعه من هذا العالم المقدّر .
ونظير الآية بالنسبة إلى بيان حال الإنسان قوله تعالى : مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ « 3 » ؛ فإنّ تيسير السبيل للإنسان هو هدايته التكوينيّة إلى ما هو صلاح أموره وفسادها في حياته الدنيويّة ، أو المراد به الأعمّ من الهداية التكوينيّة والتشريعيّة .
وقال تعالى : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ « 4 » .
نجد الرجل غلبته وشدته ومضيّه فيما يعجز عنه غيره ، والنجد أيضاً المكان المرتفع الغليظ . وهو في الآية إمّا مصدر ، فالمراد هداية الإنسان وإقداره تكويناً لُامور عظيمة لا يقدر عليها غيره من أبناء جنسه في سبيل معاشه وحياته ، فكأنّه قال : إنّا أعطيناه التسلطين ، فإنّه إن كان ملحوظاً في طريق صلاحه سُمي نجد الخير ، وإن كان في طريق فساده سُمّي نجد الشرّ . وإمّا بمعنى المرتفع الغليظ ، فالظاهر كونه أيضاً كناية عن الطريقين .
ويمكن كون المراد بالهداية أعمّ من التكوينيّة والتشريعيّة ، فيكون النجدان نجدي الخير والشرّ في أمر معاشه ومعاده .
وقال تعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 5 » .
هامش
( 1 ) . القمر ( 54 ) : 49 .
( 2 ) . الحجر ( 15 ) : 21 .
( 3 ) . عبس ( 80 ) : 19 - 20 .
( 4 ) . البلد ( 90 ) : 10 .
( 5 ) . الدهر ( 76 ) : 3 .