وقال : قَالُوا لَو هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ « 1 » .
الأمر الثالث في اتّصاف الإنسان بالضلالة
الضلالة تستعمل في اللغة تارة في الانحراف عن السبيل المستوي ، والعدول عن الصراط المستقيم ؛ يقال : ضلّ عن الطريق أو عن دينه : إذا انحرف وعدم . وأخرى في عدم الاهتداء إلى الشيء ؛ يقال : ضلّ الطريق أو عنه : إذا لم يهتد إليه ، وضلّ عنه الشيء : إذا ذهب وضاع فكأنّه انحرف عنه . ولا فرق في الانحراف بين كونه عن عمد أو جهل ، وفي الذي ينحرف عنه بين كونه طريقاً معنويّاً أو حسيّاً ؛ فالانحراف عن العقائد الحقّة ضلالة في العلوم النظريّة ، وعن الأخلاق الفاضلة ضلالة في العلوم النفسيّة ، وعن الأفعال الحسنة ضلالة في العلوم العمليّة ، والانحراف عن الطريق الحسّي المسلوك في الأرض ضلالة خارجيّة حسيّة .
ولعله بالمعنى الثاني قد استعملت في قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى « 2 » ، أيوجدك غير مهتد إلى النبوّة والعلوم والحكم في زمان صباوتك وأيّامك قبل نبوّتك .
وكذا قول موسى عليه السلام : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ « 3 » ، أيفعلت القتلة حين أنّي لم أهتد إلى أداء الوكز إلى قتله ، وتأدية القتل إلى مضارّ ومفاسد من خروجي عن البلد ونحوه .
ثمّ إنّ الضلالة الاختياريّة أمر قبيح ينكره العقل ، ويستكرهه الوجدان والنفس ، ويستحقّ فاعله اللؤم والذمّ ؛ فلا يستند إلّاإلى العبد نفسه ، كما قال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ « 4 » .
وقال : وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً « 5 » .
وقال : وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ « 6 » .
هامش
( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 21 .
( 2 ) . الضحى ( 93 ) : 7 .
( 3 ) . الشعراء ( 26 ) : 20 .
( 4 ) . النحل ( 16 ) : 125 .
( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 77 .
( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 108 .