الآية أظهر انطباق على القول الثاني ، فالإنسان - المراد به نوعه على ذلك القول - خلق من سلالة الطين ، والسلالة ما يؤخذ من الجسم ويستخرج منه كالعصارة ، فسلالة الطين المقرون بالماء الصلصال هي الموادّ التي خلق منها الموجودات الأوّليّة الحيّة ، التي انتهت بالتكامل إلى أن صارت إنساناً . وكيفيّة مسير تلك الموجودات بعد حدوثها في طريق تبدّلها النوعي وتكاملها إلى أن تصير إنساناً إنّما هي بكونها نطفة وعلقة ومضغة وهكذا .
ولو كان المراد بالآية القول الأوّل لزم حمل الإنسان على خصوص آدم ، والقول بكون كلمة « من طين » بياناً لقوله « سلالة » وهما خلاف الظاهر .
ومنها : قوله تعالى : قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ « 1 » .
الآية ظاهرة في إرادة نوع الإنسان الشامل على أوّل فرد منه أيضاً ، وهذا لا يكون إلّا بحملها على القول الثاني ؛ إذ عليه قد بدأ خلقه من النطفة ، وهي الماء . وعلى القول الأوّل يلزم إخراج آدم وحوّاء - وهما الفردان الأوّلان - عن شمول الآية .
والمراد بالتقدير تحويل المنشأ من الماء إلى أنواع اخر إلى أن بلغ صورة الإنسان ، ولأجل طيّه هذه المراحل قال : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أيأعطاه العقل والعلم والدين ، ويسّر له سبيل خيره وشره ، وقد بدأ بعض ذلك من آدم .
وتدلّ الآية على أنّ هذا النوع بذاته كفور للنعم إلّامن عصمه اللَّه ، فهي تساوق قوله تعالى : إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ « 2 » .
ومنها : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلٌ مُسَمّىً عِندَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ « 3 » . وقضاء الأجل إتمام أزمنة تكامل الإنسان ؛ فإنّ ظاهره أجل النوع ، لا الأفراد .
ومنها : قوله تعالى : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً « 4 » . والأطوار إمّا تغيّر الحالات وتبدّل الأنواع
هامش
( 1 ) . عبس ( 80 ) : 17 - 21 .
( 2 ) . العصر ( 103 ) : 2 - 3 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 2 .
( 4 ) . نوح ( 71 ) : 14 .