برهة بعد برهة إلى زمان الوصول إلى الصورة الإنسانيّة ، ثمّ إلى أن اصطفى وعُلّم ؛ وإمّا تطوّر حالات الجنين في الرحم ، فالآية تختصّ بالذراري ، لا الآباء الأوّليّة .
ومنها : قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِن طِينٍ لَّازِبٍ « 1 » . والمعنى أنّ خلق هذا النوع ينتهي إلى الطين اللازب . وهذا ظاهر الانطباق على القول الثاني .
ونظيره قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ « 2 » . فإنّ العلق : اللازب اللاصق ، كما سيجيء .
وأمّا الطائفة الثالثة
- أعني ما هو ناظر إلى حال خصوص الأولاد - :
فمنها : قوله تعالى : أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى « 3 » .
والنطفة : الماء ، والمني : المقدّر . ويمنى أييقدر ، أو يختبر ، أو يُصبّ . والعلقة : ما يتشبّث بالشيء ويتعلّق ، كالطين ونحوه . والمعنى : كان الإنسان ماء مقدّراً أو مختبراً أو منصبّاً ، ثمّ جعله اللَّه شيئاً علقاً طيناً أو نحو طين ، فخلق منه الإنسان ، فسوّاه فجعله مذكّراً ومؤنّثاً .
وهذا المعنى كما هو ينطبق على القول الأوّل ينطبق على الثاني أيضاً ، إلّاأنّ كون الكلام توصيفاً لحال نوع الإنسان - بلا استثناء فرد منه بحيث يشمل الأفراد الأوليّة أيضاً - مرجّح لحملها على القول الأوّل ؛ مع أنّ حمل المنيّ على المعنى المتعارف بالفعل ليس بجيّد ، بل لم يذكره بذلك المعنى بعض أهل اللغة ، وإطلاقه عليه عند من اطلق بلحاظ كونه شيئاً مقدّراً من عند اللَّه لأن يكون ولداً ونحو ذلك .
قال الراغب : مَنى لك الماني ، أيقدّر لك المقدّر . والمنيّ للذي قدّر به الحيوانات . والمَنيّة : الأجل المقدّر للحيوان . « 4 »
وكذا إرادة خصوص الدم من العلق ليس بظاهر ، بل قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِن طِينٍ لَّازِبٍ « 5 » يفسّر كون العلق هو الطين للزوبته ولصوقه .
هامش
( 1 ) . الصافات ( 37 ) : 11 .
( 2 ) . العلق ( 96 ) : 2 .
( 3 ) . القيامة ( 75 ) : 36 - 39 .
( 4 ) . مفردات ألفاظ القرآن ، ص 779 ( منى ) .
( 5 ) . الصافّات ( 37 ) : 11 .