من نفس واحدة ، أيمن نوع واحد من الموجودات ، وجعل من جنسها زوجها . ولعلّهم توهّموا أنّه لو كان المراد بها آدم وبزوجها حوّاء كانت الآية مخالفة لمذهبهم في كيفيّة خلق الأحياء .
والصواب : أنّه لو كان كذلك أيضاً لما نافت مذهبهم ، فإنّهم - كما عرفت - قائلون بكون جميع الأفراد والأناسي الموجودين بالفعل بل بعد زمان قليل من خلق آدم مخلوقين من آدم المنتخب بالعقل والمصطفى بالعلم ، ولم يبق من غير هذين الزوجين بقيّة في العالم .
كيف وهنا آيات كثيرة دالّة على كون آدم وحوّاء أبوي هذه الامّة الإنسانيّة كما سيجيء ؛ فكلّ الناس ينتهون إلى آدم عليه السلام وهو نفس واحدة ؛ فالآية بصدد بيان انتهاء سلسلة الأناسي الموجودين إلى آدم وحوّاء وأنّهم أبناء لذينك الأبوين ، وليس فيها دلالة على أنّ الأبوين من أين حدثا ، وكيف خلقا ؛ فليقل أرباب القول الأوّل بما هو قائل به من خلق صورة من تراب ، فطين ، فصلصال متصوّت كالفخّار ، ثمّ نفخ الروح فيها حتّى حييت وتحرّكت فقامت .
وليقل أصحاب القول الثاني بأنّهما كانا من نسل الأناسي المخلوقين قبلهما بدهور وعصور ، فاختار اللَّه من بينهم آدم ، فنفخ فيه روح العقل والعلم .
البحث الثاني : أنّه كيف خلق منها زوجها ؟
فذهب عدّة إلى أنّها خلقت من بعض أضلاع آدم ، وذهب آخرون إلى أنّها خلقت من فاضل طينته ؛ فهي مخلوقة خلقاً بدوياً من غير سبق مثال لها إلّا مثال زوجها ، فنفخ اللَّه فيهما الروح ، فأحياهما .
وذهب أصحاب القول بتكامل الأنواع إلى كونها كنفس آدم من أولاد الأناسي قبلهما ، فكان آدم ابن رجل من رجالهم ، وحوّاء بنت رجل آخر ، ثمّ تزوّجا .
وليس في الآيات القرآنيّة أيضاً دلالة على كيفيّة خلق حوّاء ، ولا على زمان إعطاء العقل لها ، عدا ما عرفت من أنّه يستفاد من لحن مجموع الآيات كون آدم ذا زوج عند وقوع الحوادث الجارية عليه ، من سجود الملائكة له وإباء إبليس وإسكانه الجنّة ؛ فلاحظ قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ *
رسائل قرآنى — صفحة 119
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١١٩