ويقرب من قوله تعالى : نُطْفَةً مِن مَنيٍّ يُمْنَى « 1 » ، قوله تعالى في الطارق : فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ « 2 » . فإنّ الدافق الماء الكثير المندفع بشدّة وسرعة ، يقال : نهر دافق ، أيممتلأ من الماء السائل من حافتيه . والصلب :
الشيء الشديد كالحجر ونحوه . والترائب : جمع تربة ، وهو كلّ جسم ملازم للتراب ، وإطلاقه على طلوع الإنسان ونحوه باعتبار وقوعها على الأرض عند النوم .
فالمتحصّل من الآية الأولى أنّ مبدأ الموجودات الحيّة التي وصلت في مراحل تكاملها إلى أن صارت إنساناً الماء ، ثمّ كان علقاً ، ثمّ خلقه اللَّه ، ثمّ سوّاه ؛ كما أنّه يمكن كون المبدأ المنيّ الخارج من بين صلب الرجال وأضلاعه .
ومنها : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا « 3 » .
وحيث عرفت معنى النطفة والعلقة ، وما أدّى الفحص إلى كيفيّة خلق الموجودات الحيّة من الماء والطين ، ثمّ تسلسل نسله بواسطة خلق الزوج له ، عرفت قابليّة انطباق الآية على القولين ، وإن كان ذكر كلمة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ، يؤيّد القول الأوّل .
وأمّا الطائفة الرابعة
- أعني ما دلّ على انتهاء النسب إلى آدم وحوّاء - :
فمنها : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءً « 4 » .
وفي الآية الشريفة أبحاث :
[ البحث ] الأوّل : أنّ المراد بالنفس الواحدة ماذا ؟
قد أصرّ أصحاب القول الثاني على كون المراد بها مادّة الحياة الأوّليّة التي انشعب منها الموجودات الحيّة ، وكثرت وتنوّعت وتبدّلت حتّى انتهت إلى الصورة الإنسانيّة ، فالجميع
هامش
( 1 ) . القيامة ( 75 ) : 37 .
( 2 ) . الطارق ( 86 ) : 5 - 7 .
( 3 ) . غافر ( 40 ) : 67 .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 1 .