وأيضاً إنّه سأل ربّه أن يرزقه ولداً مرضيّاً طيّباً ، ويجعله وليّاً له ووارثاً يرث منه ومن آل يعقوب تركةَ الأموال والعلم والحكمة والمقام ، فنقل تعالى في ما نحن فيه شيئاً من ذلك ، وفي سورة مريم أكثر ممّا نقله هنا .
ولهذا الكلام نظائر كثيرة في الكتاب الكريم ، ممّا حكاه اللَّه تعالى عن حال الأنبياء وغيرهم ، فنقل الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة ، فلاحظ قضيّة موسى بن عمران حينما جاء إلى الشجرة لاقتباس جذوة ، « 1 » فسمع الصوت منها ، قال تعالى : « فَلَمَّآ أَتَل - هَا نُودِىَ مِن شطِىِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يمُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعلَمِينَ » « 2 » .
وقال : « فَلَمَّآ أَتَلئهَا نُودِىَ يمُوسَى إِنّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآإِلهَ إِلَّآ أَنَا فَاعْبُدْنِى » « 3 » .
وقال : « فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنم بُورِكَ مَن فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحنَ اللَّهِ رَبّ الْعلَمِينَ يمُوسَى إِنَّهُو أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » « 4 » .
ولاحظ أيضاً التعبير الذي وقع منه تعالى في عصا موسى وانقلابه حيّة ، قال تعالى :
« وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا » « 5 » .
وقال تعالى : « قَالَ أَلْقِهَا يمُوسَى فَأَلْقَل - هَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ » « 6 » .
« فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ » « 7 » .
فالظاهر أنّ اللَّه - تبارك وتعالى - قد تكلّم مع نبيّه موسى بن عمران بكلمات كثيرة وألقى إليه مطالب ، قد حكى بعضاً منها في سورة وبعضاً آخر في سورة أخرى ، فمن القريب أنّ الذي صدر منه تعالى في توصيف نفسه لموسى كان كذا : « إِنّى أَنَا رَبُّكَ » ، « إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعلَمِينَ » ، « إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآإِلهَ إِلَّآ أَنَا فَاعْبُدْنِى » ، « إِنَّهُو أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » .
هامش
( 1 ) . الجذوة ، بالفتح والكسر : الذي يبقى من الحطب بعد الالتهاب . المفردات للراغب ، ص 190 ( جذو ) . .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 30 . .
( 3 ) . طه ( 20 ) : 11 - 14 . .
( 4 ) . النمل ( 27 ) : 8 و 9 . .
( 5 ) . النمل ( 27 ) : 10 ؛ القصص ( 28 ) : 31 . .
( 6 ) . طه ( 20 ) : 19 - 21 . .
( 7 ) . الأعراف ( 7 ) : 107 ؛ الشعراء ( 26 ) : 32 . .