من حيث الذكورة والكمال في الجسم والعقل والأخلاق والأعمال والنبوّة ، وكان يحيى كذلك .
وقوله : « إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ » . هل المراد به بيان أنّ اللَّه يسمع الدعاء ويعلمه ، والقبول موقوف على إرادته ومشيّته وصلاح الأمر في حقّ الداعي والمجتمع ؟ أو المراد أنّ اللَّه مستجيب للدعوات مطلقاً ، قضاء لحقّ الصفة المشبّهة التي تدلّ على الدوام والثبوت ؟ الظاهر هو الثاني ؛ فإنّ الدعاء لا حرمان فيه أبداً ولو لم يقبل بالنسبة إلى نفس المقصود ، كما حكاه تعالى عن زكريّا ، قال : « وَلَمْ أَكُنم بِدُعَآلكَ رَبّ شَقِيًّا » « 1 » .
وفي الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ الدعاء لا حرمان فيه ، « 2 » فإن لم يستجب في نفس ما أراده العبد ، عوّضه اللَّه بدفع الشرّ ، أو رفع الضرّ عنه في الدنيا ، أو بالإثابة في الآخرة ، ومثله قوله تعالى في إبراهيم : « عَسَى أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّى شَقِيًّا » « 3 » .
ثمّ إنّ قوله تعالى في هذه الآية حكاية عن زكريّا ، حكاه اللَّه تعالى في سورة مريم بعبارة أخرى أبسط ، قال تعالى :
« إِذْ نَادَى رَبَّهُو نِدَآءً خَفِيًّا قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنم بِدُعَآلكَ رَبّ شَقِيًّا وَإِنّى خِفْتُ الْمَوَ لِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا » « 4 » .
والعبارتان أو إحداهما منقولتان بالمعنى ، وقد حذف من بعضها شيء ممّا دعا ، فلاحظ قوله : « دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُو » وقوله : « نَادَى رَبَّهُو نِدَآءً خَفِيًّا » وقوله : « هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً » مع قوله : « فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا » ؛ فإنّ الظاهر أنّ زكريّا دعا ربّه وناداه نداء خفيّاً ، فحكى اللَّه في هذه الآية بعبارة إجمالية وفي سورة مريم مع التعرّض بكون ندائه خفيّاً .
هامش
( 1 ) . مريم ( 19 ) : 4 . .
( 2 ) . راجع : الكافي ، ج 2 ، ص 466 - 468 ، باب فضل الدعاء والحثّ عليه ، وص 471 ، باب أنّ من دعا استجيب له ، وص 488 - 491 ، باب من أبطأت عليه الإجابة . .
( 3 ) . مريم ( 19 ) : 48 . .
( 4 ) . مريم ( 19 ) : 3 - 6 . .