تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقوى في القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وقوله
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
أي ضيّقة ، وذلك أنّ من نسي ربّه ، وانقطع عن ذكره ، لم يبق له إلّا أن يتعلّق بالدنيا ، ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم بإصلاح معيشته والتوسّع فيها والتمتّع بها ، والمعيشة التي أوتيها في الدنيا ، لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة ، لأنّه كلّما حصل منها واقتفاها ، لم ترض نفسه بها ونزعت إلى ما هو أزيد وأوسع من غير أن تقف منها على حدّ ، فهو دائماً في ضيق صدر وحنق ممّا وجد ، متعلّق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهمّ والغمّ والحزن والقلق والاضطراب ، والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ومرض وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب . ولو أنّه عرف مقام ربّه ، ذاكراً غير ناس ، أيقن أنّ له حياة عند ربّه ، لا يخالطها موت ، ومُلكاً لا يعتريه زوال ، وعزّة لا يشوبها ذلّة ، وفرحاً وسروراً ورفعة وكرامة لا تقدَّر بقدر ولا تنتهي إلى أمد ، وأنّ الدنيا دار مجاز ، وما حياتها في الآخرة إلّا متاع
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
« 1 » ، فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قُدِّر له من الدنيا ، ووسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك » « 2 » ، قال‌تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 3 » ، حيث نبّهت الآية المباركة أنّ الإنسان لا مفرّ له إلّا بالتوجّه إليه تعالى ، لأنّ ذكره هو الذي يريح
هامش
( 1 ) الرعد : 26 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 14 ص 224 . ( 3 ) الرعد : 28 .