من الرضي بالقوت ، ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة وتبوء خفض
الدعة ( 1 ) .
أي بني الحرص مفتاح التعب ومطية النصب ( 2 ) وداع إلى التقحم في الذنوب ،
والشره جامع لمساوي العيوب ( 3 ) وكفاك تأديبا لنفسك ما كرهته من غيرك ( 4 ) . لأخيك
عليك مثل الذي لك عليه ، ومن تورط في الأمور بغير نظر في العواقب فقد تعرض
للنوائب ، التدبير قبل العمل يؤمنك الندم ، من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع
الخطأ ، الصبر جنة من الفاقة ، البخل جلباب المسكنة ، الحرص علامة الفقر ، وصول
معدم خير من جاف مكثر ( 5 ) لكل شئ قوت ، وابن آدم قوت الموت .
أي بنى لا تؤيس مذنبا ، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير ، وكم من مقبل على
عمله مفسد في آخر عمره ، صائر إلى النار ، نعوذ بالله منها .
أي بني كم من عاص نجا ، وكم من عامل هوى ، من تحرى الصدق خفت عليه
المؤن ( 6 ) . في خلاف النفس رشدها . الساعات تنتقص الأعمار . ويل للباغين من أحكم
الحاكمين وعالم ضمير المضمرين .
يا بني بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ، في كل جرعة شرق ، وفي كل أكلة
غصص ( 7 ) . لن تنال نعمة إلا بفراق أخرى ، ما أقرب الراحة من النصب ، والبؤس من
هامش
1 - البلغة - بالضم - : ما يتبلغ به من القوت ولا فضل فيه . والكفاف - بفتح الكاف - : ما كفى عن الناس من
الرزق واغنى . والخفض لين العيش وسعته . والدعة - بالتحريك : - الراحة والإضافة للمبالغة أي تمكن
واستقر في متسع الراحة .
2 - النصب - بالتحريك - : أشد التعب .
3 - الشره - بكسر الشين وشد الراء - : الحرص والغضب والطيش والعطب وقد يطلق على الشر أيضا .
وفي بعض النسخ بدون التاء .
4 - كذا والظاهر " اجتناب ما تكره - الخ " كما في النهج .
5 - الوصول - بفتح الواو - : الكثير الاعطاء . والمعدم : الفقير . والجاف فاعل من جفا يجفو جفاءا ضد :
واصله وآنسه . والمكثر : الذي كثر ماله ، يعني من يصل إلى الناس بحسن الخلق والمودة مع فقره خير ممن
يكثر في العطاء وهو جاف أي سيئ الخلق .
6 - التحري : القصد والاجتهاد في الطلب . والمؤن - ضم الميم وفتح الهمزة - جمع المؤونة وهي القوت أو
الشدة والثقل .
7 - الشرق : الغصة وهي اعتراض الشئ في الحلق وعدم أساغته ، ويطلق الأول في المشروبات والثاني
في المأكولات .