لحاله ، واستحيا من حيائه .
وفد أعرابي إلى المدينة فسأل عن أكرم الناس بها ، فدل على الحسين
عليه السلام ، فدخل فوجده مصليا ، فوقف بإزائه وأنشأ :
لم يخب اليوم من رجاك ومن * حرك من دون بابك الحلقة
أنت جواد وأنت معتمد * أبوك قد كان قاتل الفسقة
لولا الذي كان من أوائلكم * كانت علينا الجحيم منطبقة
فسلم الحسين ، وقال : يا قنبر ! هل بقي من مال الحجاز شئ ؟ قال :
نعم ، أربعة آلاف دينار ، قال : هاتها ، فقد جاء من هو أحق بها منا . ثم نزع
عليه السلام برديه ولف الدنانير فيها ، وأخرج يده من شق الباب حياء من
الأعرابي ، وأنشأ :
خذها فإني إليك معتذر * واعلم بأني عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصا * أمست سمانا عليك مندفقة
لكن ريب الزمان ذو غير * والكف مني قليلة النفقة
فأخذها الأعرابي وبكى . فقال له الإمام الحسين عليه السلام : لعلك
استقللت ما أعطيناك ، قال : لا ، ولكن كيف يأكل التراب جودك ؟ ! ( 1 )
بكى الأعرابي لاحتماله أن يأكل التراب جود الحسين عليه السلام ،
وليته رأى كيف أكلت السيوف والرماح جسده في ساحة الطف ، حين اجتمع
اللئام ، على الكريم ابن الكرام ، فاعملوا في ذلك البدن القدسي سيوف الحقد
والكفر ، ورماح الخبث والغدر ، وسهام الجبن والنفاق .
هامش
1 - المناقب 4 : 66 . تاريخ دمشق ، لابن عساكر 4 : 324 ، أوردها بصورة أخرى .