فكل شئ يقضيه الله تعالى خير ورحمة ، حتى الموت ، بل حتى القتل
طاعة له سبحانه . وقد تعجب الناس كيف استقبل الإمام الحسين عليه السلام
ذلك القتل الرهيب بصدر ملؤه الرضى بقضاء الله ، والتسليم لأمر الله ، وهذه
صفة عرفت فيه ، وخلق ظهر عليه . . عن إسماعيل بن يحيى المزني قال : سمعت
الشافعي يقول : مات ابن للحسين عليه السلام فلم ير به كآبة ( 1 ) ، فعوتب على
ذلك فقال : إنا - أهل البيت - نسأل الله عز وجل فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما
يحب رضينا ( 2 ) .
ولما سقط الحسين عليه السلام ونالته السهام والسيوف والرماح ما نالته ،
قال هلال بن نافع : كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه ، فوالله ما رأيت
قتيلا قط مضمخا بدمه أحسن منه وجها ولا أنور ! ولقد شغلني نور وجهه عن
الفكرة في قتله ( 3 ) .
ولما اشتد به الحال ، رفع طرفه إلى السماء وقال :
اللهم متعالي المكان ، عظيم الجبروت شديد المحال ، غني عن الخلائق
عريض الكبرياء ، قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابق
النعمة ، حسن البلاء ، قريب إذا دعيت ، محيط بما خلقت ، قابل التوبة لمن
تاب إليك ، قادر على ما أردت ، ومدرك ما طلبت ، شكور إذا شكرت ، ذكور
إذا ذكرت . . أدعوك محتاجا ، وأرغب إليك فقيرا ، وأفزع إليك خائفا ، وأبكي
إليك مكروبا ، وأستعين بك ضعيفا ، وأتوكل عليك كافيا . اللهم احكم بيننا
وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا ، وغدروا بنا وقتلونا ، ونحن عترة نبيك ،
هامش
1 - في اللغة : كئب - كآبة : تغيرت نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن .
2 - مقتل الحسين عليه السلام ، للخوارزمي 1 : 147 .
3 - مثير الأحزان ، لابن نما : 39 .