بالنسبة إلى النفس . . فأقواله في ذلك : شعره ونثره ونظمه حين حملاته معروفة ،
وأفعاله الدالة على ذلك كثيرة ، لكن قد أقرح القلب واحد منها ، وهو أنه عليه
السلام لما ضعف عن الركوب لضربة صالح بن وهب نزل أو سقط عن فرسه
على خده الأيمن ، فلم تدعه الغيرة للشماتة ، والغيرة على العيال ، لأن يبقى
ساقطا ، فقام صلوات الله عليه ، وبعد ذلك أصابته صدمات أضعفته عن الجلوس
فجعل يقوم مرة ويسقط أخرى ، كل ذلك لئلا يروه مطروحا فيشمتون .
وأما بالنسبة إلى العيال ، فقد بذل جهده في ذلك في حفر الخندق
واضطرام النار فيه ، وقوله اقصدوني دونهم ، ووصلت إلى أنه صب الماء الذي
في كفه وقد أدناه إلى فمه وهو عطشان لما سمع قول : إنه قد هتك خيمة
حرمك ( 1 ) .
وحينما عاد الإمام الحسين عليه السلام إلى المخيم ورام توديع العيال
الوداع الثاني ليسكن روعتهم ، ويخفف لوعتهم ، ويصبرهم على فراقه . . .
قال عمر بن سعد لأصحابه : ويحكم ! اهجموا عليه ما دام مشغولا بنفسه
وحرمه ، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم . فحملوا عليه يرمونه
بالسهام حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيم ، وشك سهم بعض أزر النساء
فدهشن وأرعبن وصحن ودخلن الخيمة ينظرن إلى الحسين كيف يصنع ،
فحمل عليهم كالليث الغضبان ، فلا يلحق أحدا إلا بعجه بسيفه فقتله ، والسهام
تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها بصدره ونحره ( 2 ) .
ورجع إلى مركزه يكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ( 3 ) .
هامش
1 - الخصائص الحسينية : 37 ، 38 .
2 - مثير الأحزان ، للشيخ شريف آل صاحب الجواهر .
3 - اللهوف : 67 .