يسلبها ( 1 ) . ثم تقدم نحو القوم مصلتا سيفا ، ودعا الناس إلى البراز فلم يزل
يقتل كل من برز إليه ، حتى قتل جمعا كثيرا ( 2 ) .
قال الأربلي ( 3 ) : وشجاعة الحسين عليه السلام يضرب بها المثل
وصبره في مأقط الحراب ( أي مضيقه ) أعجز الأواخر والأول ، وثباته إذا دعيت
نزال ثبات الجبل ، وإقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل ، ومقامه في مقابلة
هؤلاء الفجرة عادل مقام جده صلى الله عليه وآله ببدر فاعتدل ، وصبره على
كثرة أعدائه وقلة أنصاره صبر أبيه عليه السلام في صفين والجمل ، ومشرب
العداوة واحد فبفعل الأول فعل الآخر ما فعل ، فكم من فارس مدل ببأسه جدله
عليه السلام فانجدل ، وكم من بطل طل دمه فبطل ، وكم حكم سيفه فحكم في
الهوادي والقلل ، فما لاقى شجاعا إلا وكان لأمه الهبل .
ولما اشتد به العطش ، وأعياه الكر والفر على جموع المبارزين ، هجموا
عليه غدرا بالحجارة ، ورميا من بعيد بالسهم ، جبنا منهم أن يبارزه الرجل بعد
الرجل .
ثم أصابته صدمات فضعف عن الجلوس ، وجعل يقوم مرة ويسقط
أخرى . . كل ذلك لئلا يروه مطروحا فيشمتون ( 4 ) .
فجمع سلام الله عليه إلى الشجاعة إباء وعزة ، وإلى رفض الباطل محاربة
له ، وإلى إنكار المنكر ترفعا عنه ، فكان كريم النفس . . مضى هكذا ، وختم حياته
أشرف خاتمة ولم ينل منه العدو موقف ضعف أو ذلة ، فأصبح النبراس الوهاج
في سماء التضحية ، والشجاعة ، والفداء ، والإباء .
هامش
1 - تاريخ الطبري 6 : 259 .
2 - مقتل العوالم : 97 . ومثير الأحزان ، لابن نما : 37 . ومقتل الحسين ، للخوارزمي 2 : 33 .
3 - كشف الغمة : 180 .
4 - الخصائص الحسينية : 38 .