العار والقتل ، يختار القتل ، وحينما يدور المدار بين الدنيا الآثمة ودخول
المعركة القاتلة فإنه يخطو بشوق إلى القتال والموت المحتم . . حيث يرى فيه
حياته ، ويرى في الحياة الخانعة الموت الحقيقي . وهكذا كان رجل الإباء ، سيد
الشهداء ، الحسين بن علي صلوات الله عليه ، حتى عبر عن ذلك ابن نباتة فقال :
الحسين . . الذي رأى القتل في العز حياة والعيش في الذل قتلا ( 1 ) .
لقد كان الإباء ينطلق من لسان الإمام الحسين عليه السلام قولا صادقا ،
حتى تمثل في كربلاء بأجلى صورة مواقف شامخة ، فوقف على أرض الطف
وقال في شجاعة الرجل الأبي :
ألا إن الدعي ابن الدعي ، قد ركز بين اثنتين ، بين السلة والذلة ، وهيهات
منا الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ،
وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع
الكرام ( 2 ) . وقد ترجم الإمام الحسين سلام الله عليه كل كلمة من هذه
الكلمات إلى جميع لغات العزة والكرامة ، والإباء والشهامة ، والرفعة والشرف
المؤبد . . فكان أن وقف على أرض الطف وحيدا بعد مقتل أخيه العباس عليه
السلام ، وأمامه ثلاثون ألف مقاتل ، فلم يروه يهتز هيبة منهم ، ولم يجدوا فيه
رغبة في استسلام ، بل وقفوا يتأملون فيه ماذا هو صانع بنفسه ، فإذا الحسين عليه
السلام يطلب ثوبا لا يرغب فيه أحد ، يضعه تحت ثيابه لئلا يجرد منه . . فإنه
مقتول مسلوب ، فأتوه بتبان فلم يرغب فيه لأنه من لباس الذلة ( 3 ) ، وأخذ
ثوبا وخرقه وجعله تحت ثيابه ( 4 ) ، ودعا بسراويل حبرة ففزرها ولبسها لئلا
هامش
1 - المناقب 4 : 68 .
2 - تاريخ دمشق ، لابن عساكر : 215 .
3 - المناقب 2 : 222 .
4 - مجمع الزوائد ، للهيثمي 9 : 193 .