لم يتّبعها ، ومن لم يتّبع الحجّة فقد مات ميتة على الجهل .
الرّابع : علّة غيبة الحجّة وحرمان الخلق عن رؤيته ، كما يظهر من لفظ : « سيعمى خلقه عنها بظلمهم وجهلهم » اى بظلم الخلق وجهلم . وهل المراد من هذا الظّلم ، ظلم النّاس بعضهم بعضا ، أو ظلمهم على أنفسهم في عدم اتّباع الحقّ والفطرة والحجج الالهيّة ؟ وهل المراد من الجهل ، الجهل بالحجّة ، أو بالوظائف الشّرعية ؟ جميع الوجوه محتملة ، نظرا إلى الجملة السّابقة .
الخامس : حاجة عالم الكون إلى وجود الحجّة ، كما يظهر من جملة : « ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجة للّه ، لساخت بأهلها » وفي هذه الجملة إشارة إلى علّة لزوم الحجّة في الأرض وعظم امرها .
ولعلّ السرّ في ذلك انّ اللّه تعالى جعل ( بجعله التكويني - إذ قال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 1 » - والتّشريعى - إذ قال :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
« 2 » - ) حججه خلائف الأرض وواسطة فيضه العامّ والخاصّ ، وعلّمهم أسمائه كلّها - إذ قال :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
« 3 » - ليتصرّفوا بإذنه في كلّ شئ كما يتصرّف هو سبحانه وشرّفهم بخلافتهم شرافة تحمّل أمور الأرض وما عليها ، فهم وأوصيائهم - صلوات اللّه عليهم أجمعين - في كلّ عصر ، يحملون أمور الأرض وما عليها ؛ فإذن لو لم تكن فيها حجّة وخليفة يحمل أمورها ، ساخت بأهلها .
ونزيد بيانا لانكشاف معنى الخلافة والحجّة ، بانّ اللّه تعالى موجد الأشياء والخلآئق كلّها بأسمائه وصفاته العليا ، وهو سبحانه متكفّل لجميع أمورها ، وهنّ قائمة به ، ويتصرّف فيهنّ كيف يشاء ، الّا انّ بنائه على أن لا يجرى أمور خلقه المادّى الّا
هامش
( 1 ) البقرة : 30 .
( 2 ) البقرة : 213 .
( 3 ) البقرة : 31 .