الغريزة في أخذ العبر وإيقاظ القلوب من نوم الغفلة ، وأخذ العبر والنصائح من ماضي السابقين وقصص الآخرين دون اللجوء إلى التحريف ووضع القصص الكاذبة ، فقد ذكر لنا القرآن الكريم الماضي الحقيقي والقصص الواقعية التي جرت على السابقين وكررها في أماكن متعددة منه ، ما جرى لقوم عاد وثمود ونوح وفرعون ولوط ، وحدثنا عن عاقبتهم السيئة « 1 » ، ودعانا للإتعاظ بهم والحذر من استحقاق نفس العقوبات التي شملتهم ، فقال مكررا
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . *
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي
الألباب ، وعبّر عن قصة يوسف وإخوته بأحسن القصص فقال
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
« 2 » ثم في آخر السورة
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 3 » أي أن أي عاقل لا بد له من القناعة وأخذ العبر من ماضي الآخرين ، وعليه أن يلتفت في دار الدنيا إلى الحقائق الأخلاقية ونتيجة أعماله وجزائه الحسن أو السيء ليختار الطريق القويم والهداية .
وتحدث القرآن في عدة أماكن منه عن الأنبياء وأحوالهم وصبرهم وتحملهم الصعاب والمصائب ، وتضحياتهم في طريق الوصول إلى مرامهم ، وإستقامتهم وثبات أقدامهم في طريق تحقق أهدافهم ، بل ركّز على ذكر الحكم والعبر ضمن هذه القصص وإبرازها ، كالتوجيه الأخلاقي العالي نحو الوصول إلى الكمال الإنساني الّذي نقله عن لسان لقمان الحكيم ضمن وصيته لولده
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . . . . .
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ، يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ
هامش
( 1 ) لمعرفة كيفية وعلة هلاك هذه الأقوام ، راجع كتاب حقائق من القرآن للمؤلف .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 3 .
( 3 ) سورة يوسف ، الآية : 111 .