شرح
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) « 1 » ولكن ربّما يتوهّم « 2 » أنّ قوله تعالى بعد ذلك مع فصل خمس آيات : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ) « 3 » ناسخ للآية الأولى ، لظهورها في تعيّن الحكم على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية ، ويؤيّده ما حكي في بعض التفاسير « 4 » عن ابن عباس من كونها منسوخة بالآية الثانية .
ولكنّ السياق يشهد بعدم كونها ناسخة لها ؛ لأنّ الظاهر نزولها مع الآيات المتعدّدة الأخرى في واقعة واحدة ودفعة واحدة ، كما يظهر بملاحظة شأن نزولها ، وهو على ما في « المجمع » ملخّصاً حاكياً له عن الباقر عليه السلام وجماعة من المفسّرين : أنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان ، فكرهوا رجمهما ، فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبيَّ صلى الله عليه وآله عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة ، فانطلق قوم . . . فقالوا : يا محمّد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما ؟ فقال : وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟ قالوا :
نعم ، فنزل جبرئيل بالرجم ، فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به ، فقال جبرئيل :
اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : هل تعرفون ابن صوريا ؟
قالوا : نعم ، قال : فأيّ رجل هو فيكم ؟ قالوا : أعلم يهوديّ بقي على ظهر الأرض بما
هامش
( 1 ) - المائدة ( 5 ) : 42 .
( 2 ) - راجع : الجامع لأحكام القرآن 6 : 185 ؛ مجمع البيان 3 : 325 .
( 3 ) - المائدة ( 5 ) : 48 ؛ لكن يظهر من التفاسير أنّ للعامّة قول بنسخه بقوله تعالى : ( وَأَن احكُم بَينَهُم بِمَا أَنزَلَاللَّهُ ) يعني الآية 49 من سورة المائدة لا الآية 48 .
( 4 ) - الجامع لأحكام القرآن 6 : 185 - 186 ؛ الدرّ المنثور 2 : 284 - 285 .