شرح
أمّا احترام قبورهم وزيارتها وتقبيل الضرائح المقدّسة ، فهو - مضافاً إلى أنّه ليس بشرك - دليل على كمال التوحيد ؛ لأنّه - مضافاً إلى عدم كونه عبادة ؛ فإنّ احترام القبر وزيارته والتقبيل أمر ، والعبادة أمر آخر ، فهل ترى أنّ احترام العالم الحيّ عبادة له ؟ ! أو أنّ زيارة المؤمن كذلك ، التي هي من المستحبّات الشرعيّة ، تعدّ عبادة له ؟ ! أو أنّ تقبيل الطفل محبّة أو الرجل المحترم احتراماً وتعظيماً عبادة له ؟ ! فكيف يتفوّه بذلك فيما يتعلّق بالقبور المقدّسة ؟ !
وهل فرق بين تقبيل الحجر الأسود الذي هو من المستحبّات ، وتقبيل الضرائح المقدّسة ؟ وهل يمكن أن يتوهّم أحد أنّ الأوّل مع كونه شركاً صار مستثنى ؟ ! وهل الشرك يمكن أن يقع الاستثناء من حكمه ، مع أنّه لا يغفر أن يشرك به ؟ ! - يكون كاشفاً عن التعظيم وتكريم جماعة أكرمهم اللَّه بتاج الكرامة ، واصطفاهم للخلافة والولاية بما أنّهم كذلك ، ففي الحقيقة يكون تكريمهم لإضافتهم الخاصّة إلى اللَّه تعالى ، وقربهم في نظره ، وهذا دليل على كمال التوحيد .
وأمّا التوسّل إليهم ، وجعلهم شفعاء ، وطلب الحاجة منهم ، فلأجل أنّ اللَّه تعالى قد أعطاهم هذه المزايا ، وفضّلهم بهذه الفضائل ، ومع ذلك يصدر الجميع بإذن اللَّه ، فهلترى من نفسك أنّ مولى من الموالي العرفيّة إذا أعطى عبده دراهم وجعلها باختياره في أن يصرفه في أيّ فقير شاء ، فإذا اطّلع فقير على ذلك وطلب من العبد درهماً مثلًا ، يكون هذا الطلب منافياً لمقام المولى ، ومضادّاً لمولويّته وشركاً له ؟ ! فاللَّه تعالى أقدر الأئمّة عليهم السلام على التصرّف في العالم ، وجعلهم شفعاء ، فالتوسّل إليهم وطلب الحاجة منهم في الحقيقة إمضاء لفعل اللَّه وتسليم لعنايته ، لا أنّه شرك ومضادّ للُالوهيّة والخالقيّة .