شرح
ويدلّ عليه أيضاً أنّ المستفاد من أدلّة كرّية الماء ، أنّها عاصمة من الانفعال ، فعلم أنّ الانفعال مقتضى نفس الملاقاة ، فإذا شكّ في إطلاق مقدار الكرّ وإضافته لم يتحقّق المانع عن الانفعال ، والمفروض وجود المقتضي له ؛ نظير الماء المشكوك في كرّيته مع جهالة حالته السابقة ، ومن جميع ما ذكرنا يظهر ضعف التمسّك في المقام بأصالة عدم الانفعال « 1 » .
أقول : قد مرّ التحقيق في معنى الرواية وموردها ، وأنّها أجنبيّة عن مثل المقام « 2 » ، كما أنّ أدلّة اعتصام الماء الكرّ لا يستفاد منها أنّ الملاقاة مقتضية والكرّيّة مانعة ، وعلى تقديره فقد ذكرنا أنّ ثبوت المقتضى - بالفتح - يتوقّف على وجود المقتضي وإحراز عدم المانع ، لا مجرّد الشكّ فيه ، والمفروض عدم إمكان إحرازه في الفرض ، فالاستناد في الحكم بالانفعال إلى هذا الأمر غير تامّ .
الثاني : ما يظهر من المحقّق الخراساني قدس سره « 3 » صاحب الكفاية في مثل المقام من التمسّك بالاستصحاب الذي هو عبارة في المقام عن استصحاب عدم ثبوت الإطلاق والمائيّة لهذا المائع المشكوك ؛ بتقريب : أنّ مقتضى الأدلّة أنّ المائعات كلّها تتنجّس بالملاقات ، وإنّما خرج عنها عنوان « الماء المطلق الكرّ » فهنا عامّ قد خصّص بعنوان وجوديّ ، والكرّيّة محرزة بالوجدان ، والمائيّة مشكوكة ، ومقتضى الاستصحاب عدم الاتّصاف بها ، كما في استصحاب عدم القرشيّة ونظائره ، وبعد إجراء الاستصحاب يترتّب الانفعال الذي هو مقتضى عموم الحكم .
هامش
( 1 ) - كتاب الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 1 : 292 .
( 2 ) - مرّ في الصفحة 37 - 38 .
( 3 ) - كفاية الأصول : 261 .