شرح
فلنرجع إلى ما يمكن الاستدلال به لهذه القاعدة من آيات الذكر الحكيم والسنّة .
أمّا الكتاب العزيز فغاية ما يمكن الاستدلال به آيتان :
الآية الأولى : ما مرّ من آية المحارب ، قال تبارك وتعالى : إنَّمَا جَزَاؤاْ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فإنّه يحتمل فيها تفاسير ثلاثة :
أوّلها : كونه - أي الإفساد في الأرض - قيداً للمحاربة ، فالمحاربة بنفسها غير كافية في إقامة الحدّ ، بل لا بدّ مع ذلك كونه مفسداً في الأرض ، فلو جرّد السلاح لإخافة الناس لم يقم عليه حدّ حتّى يقتل أو يسرق وينهب أموال الناس ويتعرّض لأعراضهم ، ولا أظنّ القول به من أحد .
ثانيها : أن يكون الثاني تفسيراً وتوضيحاً للأوّل ، بأنّ يقال : تجريد السلاح لإخافة الناس هو بعينه فساد في الأرض ، ولو قتل أو نهب أموالًا وهتك أعراضاً كان أشدّ ، وهذا أيضاً لا يخلو عن بعد ، فإنّ الإفساد في الأرض أعمّ من المحاربة لله ولرسوله بهذا المعنى فجعله تفسيراً له لا يخلو عن مخالفة للظاهر .
ثالثها : أن يكون عنواناً مستقلًا ، فالواو هنا لمطلق الجمع ، مثل أن يقال : إنّما جزاء الزاني المحصن ، والمرتدّ واللاطي والساحر القتل ، ومعناه أنّ كلّ واحد من هذه العناوين كاف في إجراء هذا الحكم عليه .
وهذا المعنى أقرب المعاني للآية وإن كان قابلًا للبحث .
الآية الثانية : قوله تعالى : مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ فِى الأرضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً « 1 » .
فإنّ مفهمومها أنّه لو قتل المفسد في الأرض لم يكن عليه ذنب ، فهو
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 32 .