تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
شرح
بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن اميّة - وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله ( ص ) ولم يخرجوا معه لا عن نفاق ، بل عن توان ثمّ ندموا ، فلمّا قدم النبي ( ص ) إلى المدينة جاؤوا إليه واعتذروا ، فلم يكلّمهم النبي ( ص ) وتقدّم إلى المسلمين أمرهم ، بأن لا يكلّمهم أحد فهجرهم النّاس حتّى الصبيان ، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله ( ص ) فقلن : يا رسول الله ( ص ) نعتزلهم ، فقال : لا ولكن لا يقربوكنّ فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم ، فقال بعضهم لبعض : قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم فهلا نتهاجر نحن أيضاً فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا إلى ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه ، فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية ؛ هكذا ذكره صاحب « مجمع البيان » وقريب منهما ذكر جماعة آخرون . ومن الجدير بالذكر أنّ قوله تعالى : خُلّفوا فسّره بعضهم بأنّهم خلّفوا عن قبول التوبة ، وقال بعض آخر : إنّ المراد خُلِّفوا بعد أن تخلّفوا ، وفي بعض الروايات خالفوا ، ولكن يحتمل أن يكون التعبير ب - خُلّفوا مع أنّهم تخلّفوا من باب العنايات الإلهية ، فإنّ الآية نزلت بعد قبول توبتهم فكأنّه أراد الله أن يعذّرهم في ذلك بأنّهم خلّفوا لا تخلّفوا فإنّ الله ربّ رحيم لا يعاتب العبد بعد قبول توبته ! وعلى كلّ حال فقد كان هذا تعزيراً لهم ولغيرهم من جانب النبي ( ص ) وبأمره لم يكن فيه ضرب ولا حبس ولا أخذ مال ولكن كان أثره عليهم أشدّ من كلّ سجن ، لأنّ الأرض ضاقت عليهم بما رحبت وتركهم الناس جميعاً حتّى أهلهم وضاقت عليهم أنفسهم ، كأنّه إشارة إلى تفرّقهم وهجر كلّ منهم للآخر حتّى ظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه . فلو أنّ المسلمين في كلّ عصر أخذوا بهذا التعزير في الموارد المهمّة بأمر من الحاكم الشرعي لأصبحت مقاطعة المجتمع الإسلامي لهم أشدّ عليهم من السجون