تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
شرح
الحرم كما حكي عن ابن عباس ، والأمر واضح بعد إجماعهم على عدم اختصاص حكم الأمن بالمحلّ المعروف . ثمّ إنّ الأمن ، هل هو الأمن من يوم القيامة ، كما قيل ؟ لا شكّ في ضعفه ومخالفته لظاهر الآية ، بل المراد هو الأمن في الدنيا أو هما معاً وعلى هذا الوجه ، فهل هو إخبار عن أمر خارجي وهو كون الحرم مأموناً بحسب طبعه عن وقوع الحوادث الخطيرة فيه ؟ والظاهر عدمه لما ورد في التواريخ من وقوع تلك الحوادث فيه كراراً ، أو المراد كونه كذلك تشريعاً ؟ وهو الحقّ فجعل فيه الأمن ، والكلام وإن كان بصورة الإخبار ، ولكنّه في معنى الإنشاء ، فيجب على جميع الناس رعاية الأمن فيه لا بالنسبة إلى آحاد الناس ، بل بالنسبة إلى الوحش والطير وغير ذلك ، فكلّهم آمنون بحسب التشريع الإلهي ، حتّى أنّ العرب كانت في الجاهلية تراه آمناً يجتنب عمّا يخالف أمنه وقداسته ، حتّى إذا رأى قاتل أبيه في الحرم لم يتعرّض له . والحاصل : أنّ دلالة الآية ظاهرة على لزوم ترك التعرّض للناس في الحرم ولو بحقّ حتّى يخرجوا منه ، ولكن لا مانع من تسبيب أسباب لخروجه حتّى يقتصّ منه أو يحدّ ، وفي الواقع هذا طريق الجمع بين الأمرين أمنية الحرم وإحقاق الحقوق وإجراء الحدود . وأمّا احترام الحرم فالاستدلال به أيضاً غير بعيد لا سيّما مع ما كان في الأذهان من زمن الجاهلية من أنّ التعرّض للناس بأيّ دليل كان ، كان منافياً لهذا الاحترام بل الأمر أوسع منه ، فقد كان المتعارف من قديم الأيّام أنّ بعض مرتكبي الجرائم العظام كان يلتجيء إلى بيت رئيس من رؤوساء البلد أو عظيم من عظماء المذهب أو شيخ من شيوخ القبيلة ، وكان لا يتعرّض له أحد ولو كان